: حديث «القاتل والمقتول في النار». قال رسول الله ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (متفق عليه). الآية المتعلقة بالمعنى، قال تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 28–29]. فهابيل لا يريد أن يقاتل أخاه، لأنه لو قاتله فقد تكون المشاركة في القتال سببًا في قتل أحدهما، بمعنى أن وعيد قابيل لأخيه هابيل بالقتل قد يكون من باب التهديد، فلو أن هابيل بادر بقتال أخيه لتغيّرت النية وانقلب التهديد إلى حقيقة، فيصير قابيل خائفًا على نفسه من هابيل، فيسعى بكل قوة للتخلص منه، وعندئذ يكون قتال هابيل سببًا وحجةً يتحجج بها قابيل يوم القيامة. فهابيل كان يرفض تمامًا أن يمد يده إلى أخيه ليقتله، حتى لا يكون سببًا في عزم أخيه على قتله، لأنه إن لم يكن القاتل فسيكون المقتول، لكونهما في حالة قتال. فليس كل من توعّد غيره بالقتل يكون صادقًا في وعيده، فلذلك الأفضل ألا يسعى الطرف الآخر إلى التصدي للقتال حتى لا يكون فعله هو الدافع الأكبر وراء وقوع القتل. وهذا الموضوع يتعلق بالأمور التي لا يكون القتال عليها ضروريًا أو حتميًا، فكثير من سفاسف الأمور ومتاع الدنيا لا يجوز القتال من أجلها، بل ولا حتى التهديد بسببها. وسأضرب مثالًا حتى لا يُفهم الأمر على غير مراده: لو أن إنسانًا طلب منك مالًا وإلا سيقتلك، فالأمر مستبعد أن يقتلك لأجل بضعة دنانير، ولأن المال ليس دينًا عليه، فلا يحق لك أن تسعى لقتاله بحجة أنه قد هدّدك، فليس كل تهديد يُظن أنه حق يكون كذلك، بل قد لا يقع أصلًا. والصواب أن تُبيّن له أن هذا الأمر لا يصح ولا يستحق، وأنه لا حق له في قتلك، وأنه يطلب ما ليس له، وتخبره أنك لن تقاتله أبدًا، ولن تكون سببًا في تنفيذ مقصده ومطلبه، فلا تجعل له حجةً للسعي إلى القتل، ولا تكن سببًا للاستفزاز. فإن قتلك فقد قتلك ظلمًا، وأنت بريء تمامًا من الذنب، لأنك لم تكن سببًا فيه، وعندها يتحمّل إثمك، وأنت بريء من ذلك الذنب. أما إذا سعيت إلى قتاله بحجة خوفك من أن يقتلك، فإنه سيسعى لقتلك لأنه أصبح خائفًا منك، وعندها يكون كل واحد منكما حريصًا على قتل الآخر، فتشتركان في الإثم، لأنه ربما قبل شروعك في قتاله لم يكن جازمًا على قتلك، والله تعالى أعلم.