الموضوع/ تفسير سورة الله (الإخلاص). ══════✦❖❃❖✦══════ بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم، وبعد.. ✦ بدايةً أريد أن أذكر أن من شروط تفسير السورة أن يكون لها موضوع محدد تبينه وتُسَوّره. _ ونحن الآن بصدد السورة التي ستصف لنا ربنا سبحانه وتعالىٰ، ولكي تسمىٰ سورة يجب أن توضح لنا كل شيء عن الإلـــٰـه وتحيط به وصفا. _ وتوضح لنا هل اللَّٰه جسماً أم لا؟ وهل القرآن مخلوقاً أم غير مخلوق؟ ويجب ان نأخذ عقيدتنا منها ❃ قال اللَّٰه تعالىٰ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 1-4] ❒ هذه الآيات الأربع وصفت لنا كل شيء عن الإلـــٰـه. _ فلو أن الإنسان يسأل نفسه وفطرته السليمة عن الصفات التي ينبغي أن يتّصف بها الإلـــٰـه، ما صفات الإلـــٰـه الذي يجب أن يُعبد بسببها؟ ما صفات اللَّٰه التي يستحق من أجلها أن نسعىٰ لرضائه وعبادته؟ _ فالإنسان الباحث عن الحق يتسائل دائماً ويبحث عن إلـــٰـه تكون له صفات عليا وأسماء حُسنىٰ. _ فتبدأ النفس بسرد الصفات التي يجب أن تكون ملازمة للإلـــٰـه، مثل القوة العظمىٰ والغنىٰ والديمومة والعلو والقهر والجبروت والكبرياء والرحمة والعلم، ويجب أن يكون حيّاً ويجب أن لا ينام ويجب أن يسمع ويُبْصر ويرىٰ ويتكلم ويحفظ ولا ينسىٰ، و….الخ. _ فالنفس تريد أن تعبد إلـــٰـهاً يتّصف بهذه الصفات، فتلوذ بذكره وتسكن إليه وتهوىٰ حبه. ✦ ولأن اللَّٰه هو الهادي فقد أخبرك أيها الإنسان أن تخاطب نفسك فتقول لها: أن ذلك الإلـــٰـه الذي تبحثين عنه بتلك الصفات هو اللَّٰه سبحانه وتعالىٰ، إلّا أنه ليس بالكيفية التي تتخيلها النفس، بل إنه أحدٌ في تلك الصفات. ❒ وهذا معنىٰ قوله تعالىٰ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} _ بأن تخاطب نفسك بأن تقول: (إن الإلـــٰـه الذي يتصف بتلك الصفات هو اللَّٰه)، فيقرّ الإنسان بذلك ويسكن، ويكون قد عرف اللَّٰه وهُدِيَ إليه. ✦ ولفظة (قل) هي السر في السورة، حيث أنها كلمة اللَّٰه (الأمر)، الذي يجعل النفس واليد والرجل والبطن والعين والأذن وكل جزء في جسدك يبدأ يُقرّ ويعترف بأن ذلك الإلـــٰـه الذي نبحث عنه هو اللَّٰه. _ فاللَّٰه أحدٌ في قوته و أحد في علمه، أي أن علمه شيء مميز ليس مثله علم، وقوته ليس مثلها قوة. _ فهو أحد في ألوهيته وأحد في صفاته، وهذه الآية تشمل علىٰ كل الأسماء والصفات التي تنسبها الفطرة السليمة للَّٰه. _ ثم أختار اللَّٰه لنا إسماً من هذه الأسماء، وهو إسم (الصمد). ❃ قال تعالىٰ: {اللَّهُ الصَّمَدُ} _ هذه آية تدل علىٰ الإلـــٰـه، فالذي يريد أن يكون إلـــٰـهاً يجب أن يكون صمداً. ❒ والصَّمَد: لغة هو (الذي لا جوف له)، وهذا معنىٰ دقيق جداً، ولو فهمناه جيداً وٱستوعبناه لصححنا كثيراً من عقائدنا والأحاديث المنسوبة إلىٰ رسول اللَّٰه زوراً وبهتاناً. ✦ عندما نُبيّن لكم ما معنىٰ (لا جوف له)، ستعرفون أن اللَّٰه لا يمكن أن يموت أو تعتريه الآفات أو يغيره الزمن أو تهزمه قوة أو يبلغ ضره أحد أو ينفعه أحد، أو أنه يأكل أو يشرب أو يحتاج، أو….الخ. _ لكي نشرح معنىٰ الصمد (الذي لا جوف له)، يجب أن نضع تساؤلات/ ■ لماذا الأشعة تخترق المواد؟ ■ لماذا الموت يُدركنا ولو كنّا في بروجٍ مُشيّدة؟ □ الإجابة: بكل بساطة هي بسبب وجود فراغات في المواد، فالمادة والأجسام أمام أشعة (جاما) تعتبر مواد فارغة. ❒ فالملائكة خلقت من نور، لذلك فهي تستطيع أن تخترق كل الأجسام. _ ولأن أصل الأجسام فراغ، يقول علماء الفيزياء: لو أننا نريد أن نزيل كل الفراغات من الأرض فإنه يجب أن تكون بحجم حبة خردل. _ فقد قرأت لبعض الكُتّاب بأن علماء الفيزياء يقولون بأنه لكي نزيل الفراغات من السماء والأرض يجب أن تكون بحجم حبة خردل. _ نحن لايهمنا المقدار وإنما الشاهد هو أن نُبيّن لكم أن المواد كلها مسامات وفراغات، فتستطيع الأشعة إختراقها وتستطيع القوىٰ التأثير عليها لوجود مجال للدخول إلىٰ أصل المادة. ❒ ولهذا السبب يتعرض الإنسان للموت والجوع والألم. ❃ هناك حديث عجيب سيساعدنا علىٰ إيضاح المعنىٰ، [[رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلاَّ كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ]]. _ لكم أن تتصوّروا الأمر، اللَّٰه صمد، والسماوات والأرض جوفاء، ومع ذلك ليست شيئاً أمام عظمة اللَّٰه، فماهي في كفّ الرحمــٰـن إلّا كحبة خردل في كف أحدكم. _ والغريب في الأمر أن حجم السماوات والأرض في قبضة اللَّٰه كحبة خردل في كف أحدنا ولازالت جوفاء، فلو أردنا أن نجعل السماوات والأرض صمداً بحيث نزيل الفراغات منها، يجب أن يكون حجمها كحبة الخردل التي في يد أحدنا نحن وليس في كف الرحمن. ■ وعندئذٍ، كم سيكون حجمها بكف الرحمــٰـن؟ _ لا إلـــٰـه إلّا اللَّٰه.. سبحان اللَّٰه ما أعظمه. ❃ قال تعالىٰ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. _ لو أن شيئاً ما صمداً حقيقياً، لما ٱستطاعت أن تنال منه أو تغلبه أي قوة مهما كانت. ❃ فاللَّٰه يقول: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ■ لماذا لم يقل لذهب كل إلـــٰـه بالآخر؟ □ لأن الإلـــٰـه ينبغي أن يكون صمداً، وإذا كان صمداً فإنه لايوجد في جسمه مجالاً لدخول قوة أخرىٰ للتأثير عليه، فلذلك كل إلـــٰـه سيذهب بما خلق الإلـــٰـه الآخر، لأن المخلوقات جوفاء (فراغات). ✦ وهذه الآية الكريمة تثبت لنا أن اللَّٰه ليس كالأجسام، لأنه لابُدّ من عدم وجود فراغات، فاللَّٰه {نورٌ علىٰ نور}. ❃ قال تعالىٰ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} _ هذه الآية جاءت بعد آية الصمدية، فمن كان صمداً لا يمكن أن يلد أو يولد منه شيء، فاللَّٰه لم يلد شيئاً، لا إنساناً ولا كلاماً. ❒ فالقرآن مخلوقاً، ولا يمكن أن يتوّلد عن ذات اللَّٰه، لأن الصمد لايخرج منه شيء. _ والذي يجب أن نعلمه هو أننا كلنا نؤمن بأن القرآن كلام اللَّٰه، وهذا هو المهم الذي سيفيدنا، أما إختلافنا في كونه مخلوقاً أو غير مخلوق لايهم، ولا يجب أن نشغل أنفسنا به. ❒ فالقرآن كلام اللَّٰه وروح منه، وهذا هو الشيء العظيم في القرآن، أنه كلمات اللَّٰه وروحٌ منه. _ فكما أن عيسىٰ كلمة اللَّٰه وروح منه، فكذلك القرآن كلمات اللَّٰه وروح منه. ✦ فبسبب أن عيسىٰ كلمة اللَّٰه، كان يستطيع أن يحيي الموتىٰ، ويشفي المرضىٰ، لأنه يخاطب الأموات والمرضىٰ بكلمة اللَّٰه. _ ويستطيع أن ينفخ في الجسد فيصنع لها روحاً، والروح من أوامر اللَّٰه التي هي نظام التشغيل. _ فالكلمات التي كان يستخدمها عيسىٰ لإحياء الأموات هي ذاتها الكلمات التي يستخدمها اللَّٰه لإحياء الأموات، وإنما كان ينقص عيسىٰ الإذن من اللَّٰه، وهذا هو الذي ينقص المسلمين اليوم. _ فالقرآن كلمات اللَّٰه، وبنفس الوقت روح منه، ويبقىٰ لنا أن يأذن اللَّٰه لنا لنحيي بواسطة القرآن، ونشفي بواسطته، ونأمر بواسطته، ونهزم الأعداء بواسطته. ✦ سأوضح المسألة بمثال، في زمن موسىٰ عندما إختلفوا بشأن المقتول، أمرهم أن يذبحوا بقرة، ومن ثم ضربوه ببعضها وأحيىٰ اللَّٰه المقتول. _ ونحن المسلمون لا نحتاج لبقرة صفراء بتلك الأوصاف، فنحن يكفينا الآيات التي ذكرت تلك القصة، فلو أن اللَّٰه هو الذي يتكلم بتلك الآيات مباشرة إلىٰ المقتول لقام المقتول، فهي كلمات اللَّٰه وروح منه، وهي بمثابة التطبيق العملي لذبح البقرة بتلك الأوصاف. _ فلو نقرأها علىٰ المقتول لقام حيّاً، ولكن الذي ينقصنا هو الإذن من اللَّٰه. ❒ والإذن: هو أن يوفقك اللَّٰه للزمان والمكان والنطق الصحيح وبماذا تبدأ القول وبماذا تنتهي وعلىٰ أي جزء من المقتول تقرأ وتنفث. _ فالكلمات سميت كلمات لأنها من الكلم والكلم هو التأثير، فلو قرأت أي كلام علىٰ الماء لتغير تشكيل ذراته، فكذلك القرآن كلمات اللَّٰه، هو كلمات تعمل علىٰ تغيير وتشكيل ذرات الماء الموجودة في المخلوقات لتهيئها لإستعادة عملها، تبث فيها روح العمل، لأن القرآن روحٌ من اللَّٰه. ❃ قال تعالىٰ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. _ فهل إتضحت لكم الفكرة؟ وأن الذي يجب أن نسعىٰ إليه هو البحث في إستخراج آيات الشفاء، وآيات النفع والضر، وأن نحاول أن نتدارس تاثيرهن علىٰ الماء، وبهذا نكون قد نفعنا البشرية بالقرآن، لا أن نسعىٰ لإثبات هل القرآن مخلوق أو غير مخلوق. ❒ فلا شيء يتولد عنه ذاتياً أبداً، وإنما كل شيء يكون بأوامر منه. _ والأوامر صادره منه نفسياً، فإذا أراد شيئاً فإنه يقول له كن فيكون. _ فاللَّٰه لم يتوّلد عن شيء ما قبله، أي لم يكن ناتجاً عن شيء سابقاً، ولم يتطور من شيء آخر، ولم ينفصل عن شيء آخر. ❃ قال تعالىٰ: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} _ هذه الآية تُبيّن أنه لايوجد أي إلـــٰـه أومخلوق كفؤ أو مكافئ له، بصفة من صفاته أو بفعل من افعاله أو بأسم من أسمائه. ❒ إذاً فهذه السورة قد بيّنت ووضحت لنا كلما يتعلق باللَّٰه، فلا كفؤ له ولا شريك، ولم يأتي من شيء ولا شيء يأتي منه ذاتياً وينفصل عنه. _ ووضحت لنا صمدية اللَّٰه، بحيث لا تُأثر عليه أي قوة، ولا يتأثر بالأزمنة، ولا يحتاج إلىٰ أي شيء، ولا يستطيع أحد أن يضرّه أو ينفعه. _ ووضحت لنا كل الصفات والأسماء الحسنىٰ التي يتصف بها الإلـــٰـه، والتي تقبلها الفطرة. ❒ إذاً فهذه السورة نستطيع أن نسميها سورة ( الله )، لأنها وحّدت اللَّٰه، وميّزته عن ما سواه، ووبينت وحدانيته في كل شيء. ❒ وأيضاً نستطيع أن نسميها سورة (الإخلاص)، لأن من قرأها فإنها تساعده علىٰ الإخلاص للَّٰه، وعلىٰ الإبتعاد عن الشرك. _ فكلماتها إذا وقعت علىٰ النفس فإنها تتأثر، وخاصة إذا وافق قراءتها الإذن من اللَّٰه، عندها سيكون وقع الكلمات علىٰ النفس أشد تأثيراً، ولا يسع النفس والجسد إلّا أن يستجيبا لكلمات اللَّٰه، فيقلعان عن الشرك نهائياً، ويبدأ التعلّق باللَّٰه وحده لا شريك له. ➖➖➖➖➖
