لَا أُقْسِمُ.هَذَا نَفْيٌ صَرِيحٌ بِعَدَمِ الْقَسَمِ بِالشَّيْءِ الْمَذْكُورِ، وَالْقَسَمُ يَكُونُ لِلشَّيْءِ الْقَابِلِ لِلتَّقْسِيمِ وَالتَّغْيِيرِ فَقَطْ، أَمَّا الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا تَغْيِيرَ فِيهِ وَلَا تَبْدِيلَ فَهَذَا لَا قَسَمَ فِيهِ.فَمَثَلًا، يَوْمُ الْقِيَامَةِ هُوَ يَوْمٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: لَنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يُعِيدَنَا اللَّهُ وَقَدْ صِرْنَا تُرَابًا، بَلْ كَيْفَ سَيُعِيدُ بِنَاءَ الْإِنْسَانِ؟أَوْ يَذْكُرُ أَيَّ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَحْدُثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُحَاوِلُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، مِنْ أَجْلِ نَفْيِ وُجُودِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.أَوْ قَدْ نَجِدُ مِنْ عُلَمَاءِ الْفَلَكِ مَنْ يَقُومُ بِتَنَبُّؤَاتٍ بِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَنْ يَحْدُثَ كَمَا أَخْبَرَنَا الْقُرْآنُ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنِ النُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ وَتَصَادُمِهَا وَمَا إِلَى ذَلِكَ، مِمَّا قَدْ يَتَنَبَّأُ بِعَدَمِ وُقُوعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.فَاللَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: «لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ»، أَيْ لَنْ أُغَيِّرَ شَيْئًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَلْ سَيَحْدُثُ كَمَا وَعَدْتُ، وَهُوَ يَوْمٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا تَغْيِيرَ.فَلَا تُحَاوِلُوا أَنْ تَخْتَلِقُوا أَعْذَارًا وَأَوْهَامًا عِلْمِيَّةً، وَنَظَرِيَّاتٍ وَتَوَقُّعَاتٍ، لِكَيْ تَدْحَضُوا وُقُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ يَوْمٌ لَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَنْ أُقْسِمَ مِنْهُ شَيْئًا كُنْتُ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ.هَذَا كَمِثَالٍ، وَيَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا: «لَا أُقْسِمُ».وَسَأُوَضِّحُ مَسْأَلَةَ الْقَسَمِ بِاللَّهِ:عِنْدَمَا أَقُولُ: «أُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ أَنِّي صَادِقٌ»، أَوْ «أُقْسِمُ بِعِزَّةِ اللَّهِ»، فَالْقَسَمُ هُنَا مَعْنَاهُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَإِنَّكَ تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَقْسِمَ وَيُغَيِّرَ الْعِزَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ إِيَّاهَا.فَكَأَنَّكَ تَقُولُ: إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَإِنِّي أَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَقْسِمَ الْعِزَّةَ وَيُنْقِصَهَا.وَعِنْدَئِذٍ يَقْبَلُ الطَّرَفُ الْآخَرُ الْقَسَمَ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ أَنْ يَطْلُبَ نُقْصَانَ الْعِزَّةِ أَوِ الْعَظَمَةِ أَوِ الْكَرَمِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا.