تخريج الاحاديث

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، أبي الزهراء، سيدِ الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد:قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].فإذا تضاربت الآراء، واختلجت الأحاديث، واحتارت العقول، واختلف الناس؛ فليس لهم طريق قويم غير القرآن، ولن يجدوا الهدى إلا فيما دلّهم عليه القرآن الكريم.والعاقل هو الذي يقف مع نفسه وقفة تأمّل: كيف انقسمنا إلى فرق كثيرة، وكلٌّ منا يعتقد أنه على الحق، مع أنّ كلًّا منا يتبع دليلًا غير دليل الآخر، أو رأيًا يخالف رأي غيره؟ بل بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يتركوا القرآن ويأخذوا بالحديث، مع أنّ الحديث ليس قطعيَّ الثبوت، وآخرون يتركون الحديث من أجل رأي مذهبهم، وغيرهم يتركون رأي المذهب ويأخذون بقول شيخهم، دون مراعاة ما يترتّب على ذلك من ضلال وابتعاد عن الصراط المستقيم.ومهما بقينا نتجادل، ونتحاور، ونتناقش، ونتخاصم، ونتباهى بالبراهين، فلن نجد الوحدة ولا الحق إلا إذا احتكمنا إلى كتاب الله سبحانه وتعالى ليحكم بيننا فيما اختلفنا فيه.وقد قمتُ بعملٍ يتضمّن تصحيح بعض التفاسير والأحاديث والوقوف عند بعضها، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.وقد قسّمتُ بحثي هذا إلى قسمين:قسم يتعلق بتصحيح بعض التفاسير، وقسم يتعلق بتصحيح الأحاديث.أمّا القسم الخاص بالتفسير، فينقسم إلى جزأين:جزء يوضح تفسير الحروف المقطعة – والتي تم تفسيرها من سورة الفاتحة – وجزء آخر يتعلق بتصحيح بعض الأحاديث والقصص القرآنية، مثل قصة داود عليه السلام مع الخصمين، وقصة «الساق»، وقصة سليمان عليه السلام مع العرش… إلخ.وأمّا القسم المتعلق بتصحيح الأحاديث، فسيكون حول النظر في الأحاديث التي توافق القرآن، وتمييزها من تلك التي تعارضه. وهذا ليس جديدًا على الدين الإسلامي؛ فهناك أحاديث كان رسول الله ﷺ يذكرها ثم يبيّن ما يؤيدها من القرآن، مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال رسول الله ﷺ:«إن الله طيّب لا يقبل إلا طيّبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾…» ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر… إلى آخر الحديث.وكذلك حديث أبي بكر رضي الله عنه، حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ويصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ…﴾ إلى آخر الآية.وما أقوم به من عمل فهو استجابة لأمر رسول الله ﷺ وطاعة له؛ وليس حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عنكم ببعيد، فعن معاذ أنه قال:لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله. قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله».وهذا الحديث هو الذي يجب أن تسير عليه الأمة، وهو مقبول عقلًا ومنطقًا؛ فكلنا يعلم أن السنّة ليست قطعية الثبوت كالقرآن، فلذلك نأخذ بالقرآن أولًا، فهو الحق، ولن يقول رسول الله ﷺ شيئًا يخالفه. فإن لم نجد الحكم في القرآن، أخذنا بالسنّة الصحيحة التي تحتوي في طياتها الكتاب والميزان. فإن لم نجد، اجتهدنا وقسنا، لأن باب القياس مفتوح إلى قيام الساعة. وما عدا ذلك فضياع وكذب.فحديث معاذ صحيح معنىً.ملحوظة:أي حديث حكمتُ عليه بالضعف فهو ضعيف، وأي حديث حكمتُ عليه بالصحة فإني أقصد أنه لا يعارض القرآن، وليس بالضرورة أن رسول الله ﷺ قد قاله؛ فقد يكون صحيح المعنى موافقًا للقرآن، وقد يكون موضوعًا لكنه لا يخالف القرآن.وتصحيح الأحاديث ليس شرطًا أن يكون بآيةٍ صريحة، بل قد يكون بالاستنباط، والنظر في منهج القرآن، والحكم به على الحديث.والله الموفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top