فالمُزَّمِّل هو: شخص يخطط للثبات قبل وقوع الفتن، ويكوّن لنفسه مناعة نفسية ومعرفية تجاه المخاوف والأحداث المهولة، فإذا جاءت الزلازل والمحن تعامل معها بطمأنينة نسبيّة، لأنه لا يتفاجأ بها كما يتفاجأ من يراها أول مرة. جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى بعد نداء «يا أيها المزمل»: أنّ الله سيلقي على هذا العبد «قولًا» يحتاج إلى استعداد خاص، وأن «ناشئة الليل» وما يكون فيها من قيام وتلاوة للقرآن هي أشد وقعًا في النفس، وأقوى تثبيتًا لمعاني هذا القول في القلب. فحين يقرأ الإنسان في الليل عن أحوال المنافقين وكيف يخوّفون الناس، وعن أحوال اليهود والنصارى والمشركين، وعن أهوال يوم القيامة وعلامات الساعة، تستقر هذه الحقائق في قلبه، وتتجذّر فيه، لأن قيام الليل يجعل أثر هذه المعاني أعمق وأبقى.بهذا الفهم يصبح قيام الليل وتلاوة القرآن طريقًا إلى أن يكون الإنسان «مزملًا»؛ أي جاهزًا، مهيئًا، ثابتًا أمام ما سيأتيه من أحداث مستقبلية. فإذا جاء يوم النشور والبعث، عرف فورًا أن هذا هو اليوم الذي وعده الله به، وإذا رأى الدخان علم أنه الدخان الذي أخبر الله به، وإذا جيء بجهنم يوم القيامة أدرك أنها جهنم التي كان يحدّث عنها الأنبياء والمرسلون، فيكون عنده ثبات، لا تزعزعه المفاجأة، لأن هذه المشاهد ليست جديدة على وعيه؛ بل سبق أن تشرّبها من القرآن ليلًا.وتضرب مثالًا بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية أول مرة؛ كيف حصلت له الرعشة والصدمة والذهول ولم يستطع تمالك نفسه، لأنه يواجه مشهدًا مهولًا لأول مرة ولذلك عندما رجع الى اهله كان يقول لهم زملوني زملوني.. اي اصنعوا شيئا يجعلني انسى الذي في خيالي والذي لا يكاد يزول من مخيلتي فكانوا يصبون عليه الماء البارد ويغطونه لعل ما يتخيله يذهب فلقد رأى جبريل بصورته الحقيقية وهذا شيء عظيم لاول مرة يعرف مخلوقات بهذه العظمى ولذلك لم يستطع ان يتمالك نفسه. فأخبره الله ماذا يصنع لكي يتزمل فالماء لن ينفعه والتغطية لن تنفعه فأمامه احداث لن يفيد معها اي شيء غير القران . فيبني على ما سبق قاعدة عامة: أن من يرى شيئًا مخيفًا لأول مرة ينهار غالبًا أو يضطرب ولا يثبت، بينما الذي يريد أن «يزمّل» نفسه، وأن يثبت أمام هذه الأشياء المستقبلية التي ستأتي للإنسان، فعليه أن يكثر من قراءة القرآن ليلًا، حتى ترسخ هذه الحقائق في نفسه رسوخًا يجعل وقعها عند الوقوع أخفّ، ولا تُنسى مع الأيام، ولا تجعله يتزعزع عند تحقق الوعيد وظهور العلامات.فعندما عرج رسول الله الى سدرة المنتهى ورأى من ايات ربه الكبرى كان ثابتا لان الله قد اخبره مسبقا عن اوصاف جبريل والجنة والنار بل ان رؤيته للايات ستكون بمثابة تزميل لما قد يلقاه يوم القيامة فيكون آمنا مطمئنا فيعرف ان كل شيء يحدث انما هو من عندالله وبما وعد فلا يخاف بل انه قد اطلع عليها مسبقا.فالذي يلاحظ في سورة المزمل ان الله ذكر رجفة الارض والجبال وانفطار السماء وشيب الولدان كل هذه الاحداث لا يثبت عند حدوثها غير المؤمن الذي قد اطلعه الله عليها فمتى حدثت يعرف المؤمن ان ذلك ما وعد الله وصدق المرسلون .