قال تعالى:
﴿إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوا۟ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦].كلمة التقوى هنا لا يُراد بها عبارة «لا إله إلا الله» كما قد يُظن، بل معناها أوسع وأعمق في سياق الآية. فالمقصود أن الله ألزم رسوله والمؤمنين كلمةً تحمل معنى الاتقاء والحذر من الاعتداء والقتال في مكة، إلا في حال الدفاع المشروع. كانت تلك الكلمة توجيهًا ربانيًا يحمي حرمة البيت العظيم، ويصون دماء الناس في بلدٍ حرّمه الله منذ الأزل.ففي هذا الأمر بالتقوى دعوةٌ إلى اتقاء الفتنة والشر، وإلى الكفِّ عن سفك الدماء داخل الحرم، إجلالًا لمكانته وتعظيمًا لحرُمته. وقد ابتدأ الكفُّ من جهة المؤمنين، لأنهم كانوا أحقَّ بذلك وأجدرَ بالالتزام به، فلا يليق بمن أراد فتح مكة وتطهيرها أن يباشر قتالًا يُغرقها بالدماء. إذ لا معنى لدعوى تعظيم البيت إن لم تُترجم إلى سلوكٍ يعفو ويصفح، ويكفُّ الأذى عن الناس.فالمؤمنون أُمروا بالتقوى لأن في مكة مؤمنين خفيين لم يكونوا يُعرفون للمهاجرين، فكان الاتقاء أوجب لئلّا يُصاب أحد منهم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي أنهم أحقُّ بكلمة التقوى من غيرهم، وأهلٌ لتلك المكرمة العظيمة، لأن نفوسهم زُكّيت بالإيمان، وقلوبهم سمت بالحلم والرحمة.ومن هنا، تظهر عظمة الموقف: فبينما الكافرون ملأ الحمية قلوبهم، وضجّت صدورهم بحمية الجاهلية، نزلت السكينة على المؤمنين، وأُلزموا التقوى، فلم تدفعهم العزة بالإثم، ولم تحركهم نزعة الانتقام أو العصبية. فعدم الانتقام، وكف الأذى، والصفح، وترك سفك الدماء، كلها صفاتُ المؤمنين الذين يُؤْثِرون السلم على الحمية، ويقدّمون الرحمة على الغضب.