كان مما قصَّه الله تعالى في سورة الجن قوله: ﴿وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةࣰ وَلَا وَلَدࣰا﴾.
وقد جاءت هذه الآية بعد أن أُغلِقت أبواب السماوات، ومُنع استراق السمع، وصار الشياطين يُرجَمون بالشهب إذا حاولوا اختلاس خبرٍ من السماء. عندها اضطربت الجنّ، وحاروا فيما يحدث فوقهم: ما سبب هذا الحظر المفاجئ؟ أهو شرٌّ أُريد لأهل الأرض، أم خيرٌ يُراد بهم؟لقد أظلمت معرفتهم، وتاهت بصيرتهم، بعد أن غُشِّيَت عقولهم بوهم الوسائط والشفاعة المزعومة، وبالخرافة التي جعلتهم يعتقدون أن لله ولدًا وصاحبةً تقوم مقام الرب وتوصِل أمره إلى خلقه. تلك العقيدة الموروثة التي باعدت بينهم وبين التوحيد الخالص.فلما جاء رسول الله ﷺ وقرأ عليهم شيئًا من آيات الله التي تحدّثت عن السماء، وعن الشهب، وعن النفوذ من أقطار السماوات، اهتدوا بها إلى الحقيقة، وانكشف لهم سبب ما يجري في السماء والأرض. كانت تلك الآيات العظيمة تتحدى الجن والإنس، وتفتح أمامهم باب الفهم والإيمان، حتى آمنوا بالله إيمانًا لا رجعة فيه، وزال عنهم تصديقهم للدجالين والمنجمين من شياطينهم.وتبيّن لهم أن الله سبحانه لا يحتاج إلى ولدٍ أو صاحبة ليبلّغ رسالته، فهو القادر على أن يوصل وحيه إلى أرضه وعباده بما يشاء، وكيف يشاء. ولو كان لله ولدٌ أو صاحبة كما زعموا، لجاز أن يكون لهما العلمُ بما يحدث في السماء، فيخبراهم به، ولكن ذلك لم يقع، بل أُغلِقَت دونهم كل السبل، وانقطعت أسبابهم، فلم يُرشدهم إلى الحقّ إلا محمدٌ رسول الله ﷺ.فكيف يُعقل أن يُعبد ولدٌ أو صاحبةٌ تُنسبان إلى الله، ثم تعجزان عن بيان ظاهرةٍ كونيةٍ، أو تفسير حدثٍ سماويٍّ حيّرهم؟ ألم يستعن بهم الناس؟ ألم يتقربوا إليهم؟ ألم يزعموا أن بوساطتهم يرسلون إلى الله ما يريدون، وأنهم يتلقّون منه ما يشاء؟ فها هم اليوم عاجزون عن الإرشاد والبيان، بينما رجلٌ من مكّة يخبرهم بجميع ما جهلوا، ويدلهم على الرشد الذي ضلّوا عنه.أفترك الله ولدَه وصاحبتَه لينزل القرآن ويوحي إلى محمدٍ دونهم؟ كلا، بل إن هذا كلّه دلّهم دلالةً حاسمة على أنه لا ولدَ ولا صاحبةَ له، وأن الله سبحانه غنيٌّ متعالٍ عن الوسائط، متصلٌ بخلقه بلا حاجزٍ ولا واسطة. فهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، ولا إله غيره.لقد تجلّى لهم أن معنى قوله تعالى: «تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» هو أن جلال ربّنا ووجوده وإيجاده للخلق متعالٍ عن النقص والحاجة، وأن كماله في ذاته لا يفتقر إلى ولدٍ أو صاحبةٍ يمثّلانه أو يقرّبانه. فوجوده هو الوجود الحق، وإيجاده هو مصدر كل وجود، ومن هذا العلوّ الذاتي تنكشف حقيقة التوحيد: أن الله لا يحتاج إلى من نعبده ليُقرّبنا إليه، بل هو القريب الذي يسمع ويرى، لا يُتوسَّل إليه إلا به، ولا يُعبد سواه.لقد كان وجوده سبحانه أوسع وأعظم مما تصوّرته عقولنا، فليس كما قال السفيه منّا على الله شططًا، وإلا فكيف عجز أولئك الذين زُعموا أبناءً أو شركاء عن إدراك ما جرى في السماوات؟ وكيف لم يهدونا إلى ما هدانا إليه رجلٌ من البشر؟ومن هنا، انكشف لهم وجه الحقيقة الإلهية، واتّضح أن طريق الرشد لا يمرّ إلا عبر توحيد الله وحده الذي لا صاحبة له ولا ولد، الموجود بذاته، السامع المجيب، القريب من عباده قربَ العلم والرحمة، لا قرب الصورة والمكان.