بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم، وبعد.. ■ ماهو تفسير النون في سورة (القلم)؟ ❃ قال تعالىٰ: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم : 1] □ طبعاً نحن قمنا بتفسير الحروف المقطعة من سورة الفاتحة، لأن سورة الفاتحة تعتبر فاتحةً للكتاب كاملاً، بينما الحروف المقطعة فواتح للسور، والفاتحة العظمىٰ (سورة الفاتحة) آياتها محكمات، بينما الفواتح الصغرىٰ (الحروف المقطعة) آياتها متشابهات، فيجب أن نأخذ معانيها من سورة الفاتحة، لأنها أم كتاب الفواتح كما بيناه سابقاً، تحت قسم/ (تفسير الحروف المقطعه). _ ووضحنا كيف إستنبطنا وحصلنا علىٰ أن معنىٰ «ن»: هو النعمة. ✦ فأول ما تبدأ بقراءة هذه السورة يجب أن تعلم أن الغاية من هذه السورة هي تبيين موضوع النعمة، وما الذي يبقيها وما الذي ينزعها، وماهو دور القلم في ذلك، وما علاقة تستطير الأعمال بذلك. ■ تعالوا لنضع تساؤلات منطقية قبل البدء. _ دائماً نقول: أن السورة الواحدة تتحدث عن موضوع واحد وتعالجه بشكل واضح وتحيط به علماً، بحيث لا تستطيع البشرية بالإتيان بسورة من مثله، فماهو الموضوع الوحيد الذي تتحدث عنه السورة؟ ماهو الموضوع الذي سورته هذه السورة وأحاطت به علماً؟ هل السورة تتحدث عن «ن» النعمة؟ هل نسميها سورة النعمة؟ ✦ لنبـــــــدأ:- ═══❃═══ ❃ قال تعالىٰ: {ن والقلم وما يسطرون}. _ اللَّٰه سيتحدث عن النون، ودور القلم والتسطير تجاهه، لأن النون له علاقة بالقلم وبالتسطير، علاقة وثيقة ووطيدة. ➊_ النون: هو النعمة. ➋_ القلم: هنا هو الذي يحدد بقاء النعمة من زوالها، فهو الذي يكتب ما كان وما سيكون. ➌_ يسطرون: هنا هي الأعمال التي يسطرها الناس ويقومون بها، ومن خلالها يحدد القلم مصير النعمة. ❒ وهذه الكلمات الثلاث (ن، القلم، التستطير) هي التي يجب أن يفهمها الناس في قوله تعالىٰ: {….بأن اللَّٰه لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها علىٰ قوم حتىٰ يغيروا ما بأنفسهم….} صدق اللَّٰه العظيم. _ هذه الآية توضح المعنىٰ الرئيسي لنون والقلم وما يسطرون، أن النعمة تأتينا وتنتزع منا بسبب ما في أنفسنا، وبسبب أعمالنا. _ طبعاً في سورة (النعمة) وضح اللَّٰه لنا هذا الأمر بشكل تفصيلي، مع ضرب الأمثلة، فضرب لنا اللَّٰه أربعة نماذج وأمثلة/ ✧ ضرب لنا اللَّٰه في بداية السورة مثالين عن محمد (صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم)، وعن الوليد بن المغيرة. ①_ الرسول (صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم): كانت له نعمة في الدنيا، هذه النعمة ليست مادية بل روحية، نعمة تعمل علىٰ تنزيه وترقية النفس والسلوك {ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإنك لعلىٰ خلق عظيم}، فمن أخذها سيكون له خلق عظيم، لأنها مجموعة أوامر ونواهي، وهي الرسالة المحمدية. _ فمحمد قام بالتّمَسّك بها، والإلتزام بها، فكان ذو خلق عظيم، من تواضعٍ وأدبٍ وصدقٍ وأمانة، و….الخ. _ فكانت النتيجة التي كتبها القلم نتيجة ما سطّره محمد من أفعال حسنة، أن كتب له: {إن لك لأجراً غير ممنون}، هذا هو يوم القيامة والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. ②_ أما الوليد بن المغيرة: فكان لديه نعمة، وهي المال والبنين، نعمة مادية، كان الواجب علىٰ الوليد بن المغيرة أن يُحسن إستخدام النعمة، لكي يبقيها اللَّٰه له، ولا ينزعها عنه، لكن للأسف كانت أعماله سيئة بسبب النعمة. ❃ قال تعالىٰ: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم : 14-15] _ يعني بسبب أن لديه أموال كثيرة، وأولاد أشداء، يرفض الآيات التي جاء بها محمد، والتي تُرْشِد إلىٰ التواضع والخلق الحسن. _ فيرفضها الوليد، ويتكبر بسبب أنه لايمكن أن يتواضع، وأنه يرىٰ نفسه أعظم من الناس، وقام بالكذب والعتل والحلف، فٱنظروا نتيجة أعماله وما سطره، ماذا كتب القلم؟ كتب ما سيكون: {سنسمه علىٰ الخرطوم}، فكانت النتيجة من جنس العمل، بسبب أنه تكبر وصار فيه أَنَفَة عن الحق، بسبب النعمة، سيكون يوم القيامة موسوم بعلامة علىٰ أَنْفِه وخرطومه، ليُعْرَف يوم القيامة بأن هذا كان متكبر، ويهان أمام الخلق. ✦ نأتي للمثالين الآخَرَين، مثالان تحققا في الدنيا، أحدهما مادي، والآخر نفسي أو روحي. ➊_ أصحاب الجنة: كانوا في أفضل نعمة علىٰ الإطلاق، وكان أبوهما صالحاً يُخرِج حق المساكين والفقراء، لأنه حقٌ معلوم، وكانت النعمة باقية له حتىٰ مات، لأن اللَّٰه لايمكن أن ينزعها عنه طالما وأنه لم يغير من أعماله الصالحة، فلم يكتب القلم زوالها. _ فعندما مات جاء أبناؤه وبدأوا يحسبون حسابات شيطانية، بأنهم لو يمنعوا حقوق الفقراء والمساكين فإنهم سيربحون أكثر، وسيستفيدون أكثر. _ طبعاً هذا حق معلوم للسائل والمحروم، عندما كانوا صارمين في قطف الثمار وإحرام المساكين كتب القلم بأن تُحْرَق {فأصبحت كالصريم}، نتيجة ما سطروه من أعمال إجرامية بحق الفقراء والمساكين. ❃ قال تعالىٰ: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}، أي أتعلمون من الذي يكذب وينكر الإدانة وأن الأمور تتغير وتنقلب هم {فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} أي فويل للمصلين الذين يتغافلون عن صلاة الفقراء والمساكين، عن صلتهم والحض علىٰ إطعامهم، فويل لهم، وفعلاً كانت النتيجة إحراق الجنة، {كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}. ➋_ يونس (عليه السلام): كان في أشد نقمة، في ظلمات بعضها فوق بعض، في مكان ييأس الإنسان النجاة منه. _ يونس قام بعمل صالح في بطن الحوت، وهو المناداة للَّٰه، ومن دعا اللَّٰه خالصاً إستجاب اللَّٰه له {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ…..} فعندما دعا اللَّٰه بدعائه المشهور: {لا إلـــٰـه إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وناداه بأدعية لا نعلمها، المهم أنه نادىٰ ربه، وكان مكظوم، ونتيجة ما سطره من أعمال صالحة، كتب القلم له الخروج بنعمة تداركته وٱجتباه ربه، وٱنقلبت النقمة إلىٰ نعمة {لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ}. _ بعكس أهل الجنة إنقلبت من نعمة إلىٰ نقمة، وأما الوليد إنقلبت من نعمة إلىٰ نقمة، وأما محمد فأُبْقيت النعمة. _ وما يحدث للناس هي واحدة من أربع/ ❒ إما أن لديه نعمة في الدنيا وشكرها فيزيده اللَّٰه نعمة في الآخرة. ❒ وإما أن يكون له نعمة في الدنيا فكفرها، فينتقم اللَّٰه منه وينزعها عنه، فلايكون له في الآخرة من نصيب. _ هذا لبعض الناس تجده يتمتع بالنعمة في الدنيا ولم يغيرها اللَّٰه عنه، لكن يجب أن تعلم أن جزاؤه في الآخرة، لأن النعمة هذه لم تُؤثِّر علىٰ العباد، لذلك أُخِّرَ جزاءها للآخرة. ❒ وإما أن يكون لك نعمة في الدنيا فتؤذي الناس بها، فهذه تنتزع في الدنيا، لأنها أثّرت بحقوق العباد. ❒ وإما أن تكون في نقمة فتنقلب إلىٰ نعمة. _ وهذا هو مايحدث مع جميع الناس، فاللَّٰه ذكر لنا أمثلة مختلفة لتشمل وتحيط بجميع الناس، وما يحدث لهم. ✦ إذاً هذه السورة تتحدث عن النعمة من أولها الى اخرها .
