بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم، وبعد.. _ بعد أن بيّنا معنىٰ حرف «ق»، سنوضح إن شاء اللَّٰه كيف أنه روح السورة. ➖➖➖➖➖ ٭ ➖➖➖➖➖ ✦ هذه السورة «ق» تُسمىٰ سورة (المُحَاجَّة). _ وستتحدث عن محاجة الكفار بشأن قدرة اللَّٰه حول (إرسال نذير من البشر، والبعث، وحفظ أعمالنا، و….الخ). ❒ المُحَاجَّة: تعني “قدرة الفرد علىٰ تَفْنِيد ودحض حجج الطرف الآخر بالأدلة والبراهين الإستدلالية، والواقعية، وحثّه علىٰ التّخلّي عنها، والدفاع في الوقت نفسه عن آرائه، وتقديم حجج لإقناع الطرف الآخر بها، وذلك حين يتحاجون حول قضية خلافية”. _ يُفيد هذا التعريف أن المحاجة تتضمن عمليتين رئيسيتين هما:- ➊_ التَّفْنِيد: وهي عملية يتم بموجبها إثبات أن صحة حجج الطرف الآخر أو النتيجة المترتبة عليها، أو المُسْتَمَدة منها، زائفة أو خاطئة، أو ذات قيمة مشكوكٌ فيها. ➋_ الإقنـاع: من خلال الإستعانة بمجموعة من الحُجَج التي يستدل بها الفرد علىٰ صحة دعواه. ❃ قال تعالىٰ: {ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق : 1] _ هذه الآية يجب أن نفهم منها ثلاثة أمور/ ①_ الأمر الأول: أن الكلام سيكون منطقي ومقنع «ق». ②_ الأمر الثاني: أنه سيقرأ لنا أموراً مجيدة، ثم يُقرِنُها بالأمر المختلف حوله، ليثبت لنا أنه ممكن الحدوث. ③_ الأمر الثالث: أن يكون الٱقناع عن طريق أشياء وأمور مجيدة، لها مصداقيتها وثقلها في الإقناع علىٰ مدىٰ العصور. ✦ ذكر اللَّٰه لنا في بداية السورة موقف المشركين من مجيء النذير، وأنهم لم يقتنعوا «ق»، بأن هذا الشيء ممكن الحدوث، لذلك إستغربوا. ❃ قال تعالىٰ: {بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق : 2] _ وبسبب إستغرابهم وتعجبهم من مجيء النذير منهم وليس من السماء من عند اللَّٰه، كان سبب كفرهم بالأنبياء. ❃ قال تعالىٰ: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا} [الإسراء : 94] _ وكأن لسان حال المشركين يقول: (مادام وأن اللَّٰه في السماء ويريد أن يبعث رسول، فلماذا لم ينزل رسول من السماء؟ وليس رسولاً من بيننا، حتىٰ نقتنع أن هناك إلـــٰـهاً في السماء، لأن النذير الذي جاء منهم كيف عرف اللَّٰه؟ وكيف يصله الكلام من اللَّٰه؟). _ هذه التساؤلات بالنسبة للمشركين تعتبر منطقية ومقنعة «ق»، لذلك كفروا بالرسل إنطلاقاً من هذا المنطلق، فٱعتبروها حجة لهم. _ اللَّٰه سبحانه وتعالىٰ لم يذكر لنا في هذه السورة أنهم بعد التعجب (كذبوا الرسول وسبُّوه وٱتهموه بأنه شيطان أو شاعر أو كاهن). _ وذلك لأن السورة توضح لنا فقط الأفكار المقنعة التي كانت سبباً في كفرهم فقط، فالسورة بدايتها (ق) وليس (ص)، وهذا أولاً. _ ثانياً أن معنىٰ القاف يعتبر (قَيِّم ولازم بذاته)، ولايحتاج إلىٰ أفعال أخرىٰ تساعد علىٰ بيان معناه، بعكس حرف الصاد (ص)، فإنه يحتاج إلىٰ أفعال وأقوال من أجل أن يتضح معناه كما في سورة «ص». _ أيضاً من الأمور التي زادت في قناعتهم بأن الأنبياء كاذبون هو قدرة اللَّٰه علىٰ البعث. ❃ قال تعالىٰ: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق : 3] _ فالمشركين مستغربين هل من الممكن رجوع الأجسام بعد أن تصير تراباً؟! بل أنه أمرٌ بعيد الحدوث ومستحيل. _ لذلك كان كفرهم مُنطِلق من مُنطَلقَين فكريين مَنطِقِيين بالنسبة لهم، وهو إستحالة أن يكون النذير منهم، وٱستحالة إعادة الأجسام، وهذان الأمران هما الـ (ق) في بداية السورة، وهذا الجزء الأول المتعلق بحجج الكفار. ✦ أما الجزء الثاني فستُبيّن السورة دحض حججهم، وأنها لاتعتبر أموراً وأفكاراً مستقيمة (ق). _ ولكن دحض الحجج سيكون بطريقة القرآن وليس الكتاب، لأن اللَّٰه يقول: {ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ}، وليس (ق والكتاب المجيد). _ ولكي تتضح الفكرة جيداً، نضرب مثالين علىٰ طريقة الكتاب وطريقة القران. ➊_ ففي سورة البقرة كان التوضيح بطريقة {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ}، وعندما كانت بطريقة الكتاب أنظروا كيف كان إثبات اللَّٰه لنبيه عزير بأنه قادر علىٰ إحياء الأموات {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فلم يقل اللَّٰه له يا عزير سنحييها كما نحيي الأرض الميتة بعد إنزال الماء، بل أماته ثم أحياه ليقنعه بأنه يستطيع ذلك. _ وبعد هذا الحدث الجلل قال عزير: {أعلم أن اللَّٰه علىٰ كل شيء قدير}. _ وهذا ما حدث لإبراهيم وإحياء الطيور، وماحدث لمقتول بنيء إسرائيل بواسطة البقرة. _ وكل هذا في سورة البقرة، لأن أولها {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه}، فكان التطبيق عملياً، وليس إستقراءاً. ➋_ لكن في سورة «ق» كان إثبات اللَّٰه للمشركين بأنه قادرٌ علىٰ إعادة أجسادهم، حتىٰ وإن صارت تراباً، هو أن إستقرأ لهم الكون، وإحياء الجنات، وحب الحصيد والنخل، وأن كل شيء في كتاب، ليثبت لهم أن مثل هذا الذي يحدث أمامكم وتعرفونه سيكون إرجاعكم، واعادة أجسادكم يوم القيامة. ✦ وهذه طريقة القرآن، أن تقرأ لهم أموراً تحدث معهم، أو قد حدثت في هذا الكون، ليربطها بالأمر الذي ينكروه، ليثبت لهم أن الأمر ممكن الحدوث، وأنه ليس مستحيلاً. _ أنظروا إلىٰ دحض حُجّة الكفار الذين تعجبوا من مجيء النذير، ❃ قال تعالىٰ: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}. _ اللَّٰه يخبرنا أن تعجب المشركين من مجيء النذير إنما هو تكذيب لما جاءهم به من الحق الذي يكرهونه، لأنه يقف ضد أهوائهم، وإلّا فأين العجب من مجيء نذير منهم؟ فهل هذا محال علىٰ اللَّٰه أن يوحي بكلام لرجل منكم؟ أفلا تنظروا إلىٰ السماء كيف تم بناءها وتزيينها، وإلقاء الجبال علىٰ الأرض ومدها، لأن مثل هذه الأمور يكون حدوثها أمراً أغرب من مجيء النذير. _ فطالما وأن هناك في الكون أشياء كان حدوثها عجيب، فلا تتعجب من حدوث ما هو دونها، فمجيء النذير أقل تَعجُّباً وغرابةً من خلق سماء بدون عمد، ومن إلقاء الجبال. ❒ والقاعدة التي يجب أن نأخذها مما سبق هي: (إن أي أمر ما يصل إلىٰ مسامعك أو إلىٰ عينك فلا تنكر حدوثه مادام وأن في الكون أمراً قد حدث مثله أو أغرب منه، والذي يجب عليك هو أن تنظر إلىٰ ما وراء هذا الأمر، وما غايته، وليس في كيفية حدوثه). _ وهذا أمراً مستقيماً ومقنعاً. ✦ أضرب مثال بسيط، لو أخبرت شخص ما، من قوم نبي اللَّٰه سليمان: بأنه سيأتي زمان بعدكم يتنقلون بالطيران، ويوجد لديهم وسائل إتصالات، (طبعاً سيؤمن بإمكانية حدوث ذلك)، وذلك لما قد رآه في زمن سليمان من (بساط الريح ومجيء العرش). _ ولكن لو أني أخبرت بذلك شخص ما، في زمن نوح عليه السلام (سيكون موقفه التكذيب)، لأنه وبكل بساطة لايوجد لديه أموراً يُقْرِن كلامي بها ليصدقها. _ وهذا هو الذي يجب أن نفهمه من حجة اللَّٰه علىٰ المشركين، أنه كيف يتعجبون من حدوث أمر ما، وقد حدث ما هو أعظم منه..؟! _ أتمنىٰ أن تكونوا قد فهمتم طريقة (القرآن)، في توضيح وإدلاء الحجج، فحجة اللَّٰه مقنعة (ق). _ أنظروا كيف أثبت اللَّٰه لهم إمكانية البعث، وإعادة أجسادهم. ❃ قال تعالىٰ: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}. _ أي نحن نعلم أين تذهب الأرض بكم، وما تأخذه من أجسادكم، وكل ذلك في كتاب حفيظ، ولو لم يذكر اللَّٰه لهم الكتاب الحفيظ لما إقتنعوا أبداً، لأن الكتاب من الوسائل المجيدة التي تعتبر محل ثقة عند جميع الناس علىٰ مَرّ العصور. ✦ إذاً طالما وأن اللَّٰه أخبرهم بأنه يحفظ كل شيء في كتاب، إذاً فإنهم سيقتنعون، لأن مافي الكتاب لايمكن يُنْسىٰ. _ فالكفار يعلمون أن ما يكتب في الكتب يظل باقٍ ولايُنْسىٰ. _ وهذه أيضاً بطريقة (القرآن)، فقد أقرن لهم أمر حفظ أجسادهم بنفس طريقة حفظهم للمعلومات والأشعار والديون، و….الخ، فكل شيء مسجل ومدون. ✦ أيضاً أخبرهم عن كيفية وطريقة خروجهم وبعثهم، فقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} _ في هذه الآيات يثبت اللَّٰه لنا كيف يتم رجوعنا وإخراجنا، إستقرأ لنا ما يحدث في الأرض، وهي من الأمور المجيدة والباقية علىٰ مَرّ العصور، وأقرنها بما سيحدث معنا يوم القيامة. ❒ فالإحْياء سيكون بواسطة الماء، سواءً في الدنيا أو في الآخرة. _ فطالما والكلام عن إحياء الأموات، فقد ناسَبَه ذِكْر أمثلة علىٰ كيف يُعيد اللَّٰه الأموات، حيث أن الأموات منهم من صار رماداً وتوزع علىٰ الأرض، فقدرة اللَّٰه علىٰ إحيائه وإعادته مثل إنبات الجنات، حيث أن الجنات فيها الحشائش، وفيها الأزهار، وفيها الأشجار المتنوعة، ومنها ماخُفي علىٰ الناس، ومنها ما عَلِموه، فالجنات موجودة في جميع أنحاء الأرض، وأن اللَّٰه يعيد الجنات من ما قد أكلته الحيوانات وأخرجته من بطونها، ومع هذا لم يَصْعُب علىٰ اللَّٰه إنباتها، ولم ينساها، فسبحان اللَّٰه عما يصفون. _ وذِكْرُ حَبّ الحصيد مناسبٌ للذين يتم دفنهم بأيدي الناس، كما يوضع الحب، وفيه إقامة الحُجَّة عليهم، إذ كيف يتعجبون من الإعادة بعد الموت ولا يتعجبون من الحب الذي يضعونه بإيديهم وهم ينتظرون من اللَّٰه أن يعيده كما كان سابقاً عندما حصدوه؟! _ والنخل باسقات تناسب إحياء اللَّٰه الأنبياء الذين حرّم اللَّٰه علىٰ الأرض أن تأكل أجسادهم، فسيكون إحياءهم كفسائل النخيل، فهي لا تحتاج إلىٰ تجميع، بل تعتبر شجرة من أول ما تُغْرَس، فلا يوجد مراحل لإحيائها، إلّا بالسّقي. ✦ هذه الحجة تعتبر حجة مستقيمة (ق) وبطريقة (القرآن) و (مجيدة). _ وكل ّ ماسبق قد حدث مع كل المشركين وليس فقط كفار قريش، فالأسباب التي جعلت المشركي في زمن محمد يكذبوه بسببها هي ما حدثت مع كُلّاً من {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}. ❃ قال تعالىٰ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}. _ هذه الآية تثبت لكم أكثر وأكثر بأن السورة تتحدث بطريقة (القرآن)، فمن آمن بالخلق الأول فلا ينكر الخلق الثاني، فلكي تصدق الأمر الآخر، يجب أن تقرنه وتربطه بخلقٍ سابقٍ قد حدث وآمنت به، وتفسير الآية هو: هل عجزنا وعيينا بخلقكم في أول مرة عندما كنتم نطفة؟! وطالما وأنكم تشاهدون أنفسكم ووجودكم، وأنكم كنتم لاشيء فصرتم شيء، فكنتم تراباً، فإذا أنتم بشرٌ تنتشرون، كنتم أمواتاً فأحياكم، فلماذا أنتم محتارين ومتعجبين من خلقكم من جديد؟! _ الملحدون والمشركون لا يتساءلون كيف حدث الشيء الموجود، وإنما يحتارون من أن يحدث مثل هذا، وكأن لسان حالهم: (نحن لا نتعجب من خلق الإنسان والسماوات والأرض، وكيف خُلقت، لأنها قد خلقت وصارت، وإنما نحتار ونتعجب أن يخلق مثلهما أو يحدث مثلهما مرة أخرىٰ). _ فكُلّاً يريد أن يرىٰ بأم عينه ما يحدث، ولا يرضون بالإستقراء للخلق الموجود أمامهم. ✦ ذكر اللَّٰه في سورة الهداية (يس) قال تعالىٰ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. _ أحد المشركين أخذ العظم وفَتَّهُ حتىٰ رَمّ، ثم قال: هل يستطيع اللَّٰه أن يعيده؟ فجاءه الرد مباشرة، فقال له اللَّٰه: بأن الذي خلقها أول مرة يستطيع أن يعيدها، فالذي خلقها أول مرة دون وجود فتات العظم، قادرٌ علىٰ أن يجمع الفتات ليعيدها كما كانت. ❒ بعد أن دحض اللَّٰه حجج المشركين التي كانت سبباً في كفرهم، بيّن أموراً أخرىٰ، حتىٰ لا يكون للمشركين حجة. _ هذه الأمور لو لم يوضحها اللَّٰه، لبقيت تساؤلات لدىٰ المشركين، ومُحيّرةً لهم، وهي: ■ إذا كان اللَّٰه يستطيع أن يعيدنا كما خلقنا أول مرة، فهل من الممكن أن يعيد كلامنا وأقوالنا ويحفظ كل أعمالنا ولا ينساها؟! ■ وكيف سيحاسبنا يوم القيامة؟ □ فوضح اللَّٰه ذلك، وأخبرنا بأن اللَّٰه هو من خلق الإنسان، ولأنه هو الذي خلقه، فهو يعلم ما توسوس به نفسه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد. _ فلدىٰ كل انسان قعيدان، قَعِيدٌ علىٰ يمينه يتلقّىٰ الحسنات فيراقبها ويَعُدّها، وقعيد علىٰ شماله يتلقىٰ السيئات فيراقبها ويعدها، وبهذا يكون حِفْظُ الأعمال، بطريقة مستقيمة ومقنعة ومنطقية لحفظ الأعمال. _ وأن الأمر طالما وهو كذلك، فإنه لن يكون هناك ظلم أو نسيان، فطريقة وجود مَلَكَين لكتابة الأعمال والأقوال طريقة مستقيمة وأمرٌ مستقيمٌ (ق). □ ثم يأتي يوم القيامة ليحاسبك بما حدث معك في الدنيا، فلا تستطيع أن تنكره. ❃ قال تعالىٰ: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}. _ هذه الآيات تبين لنا أن ما سيحدث يوم القيامة سيكون بالحق دون ظلم، وأن الحساب سيكون بما هو موجود في الكتاب {هذا ما لدي عتيد}، فتجد أعمالك حاضرة ومسجلة في كتابك، فلا تستطيع أن تنكرها، لأنك ستقرنها بالأعمال التي قمت بها في الدنيا فتجدها متطابقة تماماً، وهذا هو (ق) المستقيم، وهذه هي طريقة (القرآن). _ فمن ربط قدرة البعث بقدرة خلقه أول مرة فإنه سيقتنع بالبعث، ومن قرن وربط أعماله التي سيجدها في كتابه يوم القيامة بأعماله التي عملها في الدنيا فإنه سيقتنع بأنها هي أعماله تامة وافية. _ وهذا يدل علىٰ أن طريقة القرآن تعتبر طريقة قويمة ومقنعة في المحاجة واقامة الحجة. ❒ يبقىٰ أمر أهل الكتاب من اليهود، الذين إعتقدوا بأنه طالما وأن اللَّٰه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فهذا يعني أنه إرتاح في اليوم السابع، وإلّا فلماذا أيام الأسبوع سبعة أيام؟! واللَّٰه خلق الأرض في ستة أيام.؟! _ فكان الرد هو أن اللَّٰه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام دون لغوب. ❃ قال تعالىٰ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}. _ أي أن الأيام الستة ليست محصورة بالسماوات والأرض فقط، فما بينهما خلقت بنفس الوقت، فالوقت الذي كانت تتشكل فيه الأرض، كان المريخ أيضاً يتشكل، والمشتري كذلك، ومليارات النجوم والكواكب تتشكل، والدخان يتصاعد نتيجة الإنفجار العظيم، فكانت السماء أيضاً تتشكل. _ فاللَّٰه لم يكن مشغولاً في الأرض، بل أنه قال لها كوني (أرضاً) فبدأت تتشكل، وقال للمريخ كن أي كن المريخ الذي أريده فبدأ يتشكل ليصير نفس الذي أراده اللَّٰه، وكذلك جميع الكواكب والسماوات والنجوم. ✦ سأضرب مثال بسيط، لو سألت أحد أصحاب النخيل، وقلت له: كم إستغرقت هذه النخلة حتىٰ أثمرت؟ سيقول لك مثلاً خمس سنوات، فتقول له: إذاً الألف النخلة التي في بستانك إستغرقت خمسة ألف سنة؟! سيقول لك: لا.. النخلة بخمس سنين، وكذلك الألف النخلة بخمس سنين. _ وهذا يدل علىٰ أن النخلة التي إستغرقت خمس سنين لم تتعب صاحبها، وإنما هو وضع النواة (الحبة) وتركها، وهي التي إستغرقت الزمن ذاك لِتَمُرّ بالمراحل والأطوار، بالحق وليس فجأة. _ ولا يعني هذا أن صاحبها مشغول في خلقها وتشكيلها ورسم ملامحها، كَلّا، وكذلك خلق الأرض إستغرق يومين، من بعد قول اللَّٰه لها كن (أي كوني تلك الأرض التي أريد). _ ولا يعني هذا أن اللَّٰه مشغول بها أبداً، فمثلها مليارات المليارات من النجوم والكواكب تتشكل بنفس الفترة، فكيف يقول اليهود أن اللَّٰه ارتاح في اليوم السابع؟ وهل اللَّٰه كان مشغول في كل تلك الفترة أم هو فقط قال للكون كن، والكون بدأ يستجيب للَّٰه لمجرد أمره له بالكينونة؟ _ فكما ترك صاحب النخلة النخلة بعد وضع الحبة، كذلك اللَّٰه، (وللَّٰه المثل الأعلىٰ) قال للكون كن، والكون والنخلة بدآن يسيران وفق النواميس، حتىٰ وصلا للمرحلة النهائية بفترة زمنية، فلا صاحب النخلة محصور ومشغول بنخلته، ولا رب الكون مشغول بأرضه وكونه. _ إذاً قوله تعالىٰ: {وما بينهما} في الآية الكريمة {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} فيها إقناع وحجة علىٰ أهل الكتاب، بأن اللَّٰه لم يتعب، ولم يَمَسّه لغوب. _ فليست المدة للأرض فحسب، بل هي لمليارات المليارات الكواكب والنجوم. ➖➖➖➖➖
