بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّٰه، وبعد.. ❒ سنتحدث في هذا البيان عن سورة الهداية. _ والهداية يجعلها اللَّٰه بيد الداعية إليه، فكما وضحنا لكم سابقاً بأن (طه) تعني الداعية، في سورة الدعوة، كذلك سنوضح لكم بأن (يس) تعني: الهادي في سورة الهداية. _ وخير من تجسّدت فيه هذه المعاني هم الأنبياء، فـ (طه) هو كل داعية إلىٰ اللَّٰه، كالأنبياء والدعاة إلىٰ اللَّٰه. _ فمحمد رسول اللَّٰه يُدعىٰ «طه»، وكذلك كل داعية. _ أما (يس) فهي لكل هادي يهدي الناس إلىٰ الحق، مثل الأنبياء والعلماء والدعاة. _ فمحمد يُسمىٰ (يس)، وكذلك كل الدعاة وكل العلماء. _ في سورة (طه) وضحت كلما يتعلق بالداعية وما يساعده ويؤهله لأن يكون داعيه. _ أما هنا فسنوضح كيف أن السورة تبيّن حُجّة الداعية عندما يدعو الناس إلىٰ الحق. _ قبل أن نبدأ بالتوضيح التفصيلي لحرفي (يس)، دعونا نطرح هذا التساؤل: ■ لماذا أحياناً تدعو شخص ما إلىٰ الإسلام فلا يهتدي، ثم يأتي شخص آخر يدعوه إلىٰ الإسلام فيهتدي؟ بالرغم من أن كلاهما يستخدم الأحاديث والمواعظ والآيات الكريمة؟ □ الإجابة: هي أن الأول إستخدم حرف الياء فقط من (يس)، بينما الآخر إستخدم الحرفين معاً (يس). ✦ فيحب أن نفهم أن القلوب أقفال، ولها مفاتيح كثيرة، فمنها ما يتأثر بالمواعظ، ومنها ما يُفْتَح بالقصص، ومنها ما يهتدي بالإعجاز، ومنها ما يُفْتَح بالمنطق، ومنها بالترهيب ومنها بالترغيب، و…الخ. _ فالهداية التوفيقية هي بيد اللَّٰه، يوفق بها الداعية إلىٰ اللَّٰه ليوفقه لتبليغ الأشخاص بما يناسب حالتهم، وما هو الذي يؤثر عليهم. ✦ وهذا المفتاح المناسب للقلوب المختلفة، وهو حرف السين (يس). ❃ قال تعالىٰ: {يٓسٓ} _ هذان الحرفان يمثلان عمودان من الكلمات، ❒ فحرف الياء «ي»: (الرحيم، العالمين، يوم، الدين، إياك، نستعين، المستقيم، الذين، غير، الضالين). _ بالرغم من وجود كلمات كثيرة إلّا أنها تصف لنا شيئاً واحداً فقط، وهي ««الرحمة»». _ إلّا أنها رحمة معنوية، وليس كما في حرف الياء في كهيعص الذي كان يمثل الرحمة الحسية. ❒ فهذا الحرف يعني: رحمة مُعِيْنَة بشكل مستقيم ليوم الدين وغير مضله وتكون فائدتها مرتبطة بالعالمين (للدنيا و للآخرة، للدين والدنيا). _ لأن هناك رحمة لا تكن بنفس الصفات، فقد يعطيك اللَّٰه مالاً وأنت في الصحراء، فهذه لا تدخل ضمن حرف الياء، بالرغم من أنها رحمة، وقد يعطيك اللَّٰه فهم اللغات الأعجمية لكنك تعيش بين قوم عرب، فهذه لا تمثل حرف الياء. _ فحرف الياء هنا: هو الرحمة التي تكون مُعِيْنَة للناس للدخول في دين اللَّٰه، وفيها ما يساعد علىٰ ذلك مثل (العلم، اللغات، المعجزات، و….الخ). _ ومَثَلُ حرف الياء في سورة (يس) كمَثَلِ حرف الياء في سورة العهد (كهيعص)، والذي يتمثل بكُلّاً من (يحيىٰ، عيسىٰ، إسحاق، يعقوب، هارون)، إلّا أن اللَّٰه إستبدلنا بهم، حُجّة تساوي حجتهم التي كانت لديهم وكانوا يمتلكونها. ❒ وحرف السين «س»: (بسم، نستعين، المستقيم)، ثلاث كلمات من سورة الفاتحة فقط. ❒ وتعني: بإسم الإستعانة القويمة. _ هذا هو مفتاح القلوب، بأن يوفقك اللَّٰه لما يعينك علىٰ هداية هذا الشخص، فالشخص الذي تدعوه تريد أن تعرف ما هو الشيء الذي يؤثر فيه فتستعين به عليه. ✦ والذي هو: (بإسم الإستعانة القويمة التي تمكنك مِن مَن تدعوه). ✦ فحرفي «يس»: هي أن يعطيك اللَّٰه العلم وكل مايتعلق بالهداية، ثم يوفقك لمفاتيح هداية القلوب لكل قوم ولكل شخص بما تدعوه به لتتوفق لهدايته. _ بمعنىٰ أن (يس) تعتبر الهداية التوفيقية للناس، إلّا لمن حق عليهم القول، ومن جعل اللَّٰه في أعناقهم أغلالاً فهي إلىٰ الأذقان فهم مقمحون. _ الذين لو جاءهم كل الأنبياء بجميع المعجزات وٱستيقنتها أنفسهم، لما اتبعوهم، فهؤلاء لا تنفعهم (يس). ❃ قال تعالىٰ: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس : 1-2] _ الآية توضح لنا عن الهادي الذي يهدي الناس بطريقة القرآن (الإستقراء والإقران المحكمان). _ وليس القرآن المبين، بل الحكيم، لأن الإستقراء الحكيم يُحْكِم الأمر ويُوثّقه، ويتمكن منه. _ ولو كانت الآية الثانية (والكتاب الحكيم) بدلاً من (والقرآن الحكيم)، فإنه يلزم أن تكون في هذه السورة معجزات كما في سورة (النمل «طس»)، لأن طريقة الكتاب غير طريقة القرآن. _ لكي تكون هذه السورة هداية توفيقية عن طريق الكتاب، يجب أن يجعل اللَّٰه فيها معجزات متاحة لنا نحن المهديين وهذا مستحيل، فلا تكون الهداية التوفيقية بٱستخدام المعجزات، إلّا للأنبياء، وليس جميعهم. _ ولذلك كان اللَّٰه يضرب لنا أمثلة عنهم في السور الأخرىٰ، أما نحن أمة محمد فلدينا الهداية التوفيقية القرآنية، وأما الكتابية فهي لبعض من أكرمهم اللَّٰه بها، وهي كثيرة في الأمم السابقة. ❃ قال تعالىٰ: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [يس : 3] _ المخاطب هنا هو الهادي، الذي يهدي الناس وما خاطبه اللَّٰه بقوله: {إنك لمن المرسلين} إلّا لأنه قد أصبح رسولاً. _ فـ (يس) الهادي لايكون هادياً إلّا بعد أن يتأهل لأنْ يكون داعيةً (طه). _ إذاً أيها الداعية قد أصبحت من المرسلين {إنك لمن المرسلين} {علىٰ صراط مستقيم}. _ وبهذا يتأهل للهداية فيعلمه اللَّٰه كيف يهدي الناس، لأنه أصبح رسولاً يهدي به اللَّٰه الناس ويبلغ دعوته. _ إذاً من تعلم سورة (الدعوة طه)، وعرف كيف يصير داعية، وتعلم كلما يؤهله للدعوة فإنه قد أصبح رسولاً للناس، ويجب عليه أن يتحرك ليهدي الناس، وليعلم أن الرسل سيسألون يوم القيامة. ❃ قال تعالىٰ: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ❃ والرسول صلَّىٰ اللَّٰه عليه وعلىٰ آله وسلّم يقول: [[بلغوا عني ولو آية]]. ❃ قال تعالىٰ: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس : 6] _ وما دام وأن آباءهم لم يُنذَروا، فبالتأكيد أنهم غافلون، ولابدّ من هادي يهديهم. _ لكن قبل كل شيء ذكر اللَّٰه ست آيات تبين أنك أيها الهادي ستواجه قوم لن يتاثروا بما تقوله لهم، ليس لأن ما تدعوهم إليه باطل أو أن حجتك ضعيفة.. كلّا، بل لأنهم من الذين حق عليهم القول بأنهم لايؤمنون. ❃ قال تعالىٰ: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. ❖ ملحوظة/ _ كنت سابقاً أستغرب لماذا ضعّف العلماء سبب نزول الآية: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً} وأنها لم تنزل علىٰ رسول اللَّٰه عندما خرج من بيته للهجرة، وفعلاً كانوا موفقين في ذلك، فالآية تتحدث عن الذين لايقبولون الهداية إطلاقاً، لأن ما لديهم من مناصب أو أموال أو ما فيهم من كبر وانتقام قد جعل أعناقهم مرفوعة عن الحق، ويتكبرون عليه، فلا يحبون النظر إلىٰ ما يقال لهم ولا يتصورون ما سيقع عليهم، فلديهم موانع تمنعهم من الإيمان بالمستقبل، فلا يمكن أن يترك حاضره من أجل المستقبل الغيبي، أو يصدق بالماضي وما حدث معهم، وجهلهم وغرورهم هو من جعل علىٰ أعينهم غشاوة فلا يرون الحق، لانشغالهم وحبهم الأعمىٰ للدنيا، وأيضاً الجهل والكبر والحقد، و….الخ. _ فكأنها بمثابة السد المنيع الذي يمنعهم من الإيمان بالمستقبل أو بالماضي. _ إذاً هذا السورة هداية لمن؟ ❃ قال تعالىٰ: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} _ الآية معناها أنك أيها الرسول الهادي أرسلناك لكي تنذر الناس الذين إن ذكرتهم يخشون اللَّٰه، لأنهم كانوا علىٰ ضلال. _ فالذين اتبعوك أيها الهادي عندما ذكرتهم باللَّٰه هم الذين أرسلناك من أجلهم فقط لاغير. ✦ مثال عن الرسول/ _ فالرسول أرسله اللَّٰه من أجل أن ينذر أبوبكر وعمر وعلي وخديجة، لينقذهم من النار، فهؤلاء هم الذين إذا ذكرتهم باللَّٰه يخشونه أي يخافونه. _ إذاً يا محمد هؤلاء الذين اتبعوك وآمنوا بك هم الذين أرسلناك من أجلهم، لأنهم كانوا من الضالين، فهم يخشون اللَّٰه لذلك اتبعوك. _ وهذه الآية مثلها مثل قوله تعالىٰ: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلىٰ ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} فالنذير لا يكون للذين قد خافوا اللَّٰه واتبعوا الذكر، بل يكون لهم قبل أن يؤمنوا. _ عندما تهدي الناس وتنذرهم ستجد أيها الرسول أناس يخافون من النذير الذي جئتهم به، هولاء الذين يخافون أن يحشروا إلىٰ ربهم، أنذرهم واحرص عليهم وقل لهم لن ينفعكم الأخلاء ولا الشفاعة فبادروا بالإيمان واحذروا أن تبقوا كفاراً. _ الآن سنوضح لكم الأمر الذي يؤثر علىٰ الأنفس. ❃ قال تعالىٰ: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس : 13] _ هذا مثل عظيم جداً ويؤثر علىٰ كل ذي لب، ضرب اللَّٰه لنا مثلاً، والمثال يعني إستقراء للماضي ليقرنه بنا، وأننا سنكون مثلهم حتماً. _ ووضح اللَّٰه لنا حال الفريقين في الدنيا وفي الآخرة. ✦ في المثال ثلاثة رسل أرسلهم اللَّٰه إلىٰ قرية لينذرونهم، وكان موقف الناس منهم الصد والإعراض والإنتقام. _ هناك من آمن وهناك من كفر، الذي آمن بالرسل جاء إلىٰ قومه وحذرهم، وطلب منهم أن يتبعوا الرسل، وبعد أن لاقىٰ منهم التهديد له بأن يكفر قال لهم: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} _ الرجل يقول لهم كيف لا أعبد الذي نحن ذاهبون إليه؟ لماذا تريدونني أن أكفر بما هو آت؟ هل تريدونني أن اكفر بالرحمن الذي لو عذبني فلن تنفعني شفاعة أحد ولا شفاعة آلهتكم؟ ولن ينقذني منه أحد؟ ثم إن اللَّٰه هو الذي فطرني فكيف لا أعبده؟ _ النتيجة أن الكفار قاموا بقتله، اللَّٰه نقل لنا حاله بعد الموت، فقال: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} _ الرجل عندما مات جاءته الملائكة وبشرته بالجنة وغفر له اللَّٰه، فكان يقول ياليت قومي يعلمون أن ربي قد غفر لي وأكرمني، هنا النعيم، هنا الحياة الحق. _ الرجل المؤمن يريد أن يخبر قومه بأن الموضوع حق وأن ما أخبر به الأنبياء حق، يريد أن يقول لقومه لا تحرموا أنفسكم من الكرم والجنة والمغفرة، ولكن هيهات هيهات. _ ثم وضح اللَّٰه لنا حال الكفار الذين استهزءوا بالرسل، فعذبهم بالصيحة ولم تنفعهم آلهتهم ولم يستطيعوا أن ينقذوا أنفسهم. ✦ العجيب أن اللَّٰه نقل لنا حالهم بعد الموت، فأخبرنا أن عليهم حسرة وليس سعادة، أن علىٰ هؤلاء العباد حسرة لا يعلم بها إلّا اللَّٰه، لأنهم استهزءوا بالرسل. ❃ قال تعالىٰ: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس : 30] _ هؤلاء بعد موتهم في حسرة، والمؤمن حاله بعد موته في فرح وسرور ونعيم، فهل يعقل أن إنسان ذي لب أن يركن إلىٰ الدنيا ويترك الآخرة؟ هل يحب أن يتفاجأ بما يسيئه؟ _ لن يستطيع أن يعود، إذاً البدار البدار. _ هل عرفتم الآن لماذا هذه السورة تنفع المحتضر عند الموت؟ لأنه عندما يسمع كلمات اللَّٰه وهذا المثل العظيم وحال الناس بعد موتهم فإنه يبدأ يسلك مسلك الرجل المؤمن الذي تمسك بإيمانه حتىٰ الموت فاكرمه اللَّٰه وغفر له، فهذه السورة تنذر الأحياء. ❃ قال تعالىٰ: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس : 70] ❃ وهذا مصداقاً لقول رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وسلّم: [[إقرأوا علىٰ موتاكم سورة يس]] _ فكل إنسان سيموت إما أن يكون في حسرة أو يكون في فرح، وذلك فور موتهم، وعلىٰ الإنسان أن يكون فَطِن، فلعلّ الموت يباغته في داره أو في عمله، كما باغت المكذبين بالرسل. ❃ قال تعالىٰ: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} _ والذي لا يتعذب سينكسه اللَّٰه في الخلق ثم يموت، يعني الأمر حتمياً، والرجوع إلىٰ اللَّٰه لابدّ منه، فلماذا نتساهل ونتغافل عن يوم القيامة؟ ❃ قال تعالىٰ: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس : 68] _ ثم إذا نفخ في الصور، وخرجوا من قبورهم ووجدوا صدق ما قاله الرسل والنذر، يتحسروا ويندموا. ❃ قال تعالىٰ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس : 51-52] _ فيقال لهم: {هذا ما وعد الرحمن} (جنة ونار)، {وصدق المرسلون} الذين كانوا يهدوكم ويرشدوكم إلىٰ الحق. ✦ ذكر اللَّٰه في هذه السورة حال أصحاب الجنة الذين سعوا للنعيم الأبدي، الذين لم يركنوا إلىٰ الدنيا، ذكر اللَّٰه حالهم في ذلك اليوم، وهم في فرح شديد، بينما المجرمون في جهنم يصلونها. ❃ قال تعالىٰ: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ❃ وقال تعالىٰ: {وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} _ إختر لنفسك أيها العبد المسكين أن تكون من الذين يسرحون ويمرحون في ذلك اليوم، أم تكون من الذين يصلون جهنم وتعاديك وتشهد عليك جوارحك وتكون ذليل ضعيف. _ يجب أن نتفكر في الأمر جيداً، مادام وأن الموت حتمي، إما بالعذاب أو بتنكيس الخلق. ■ فلماذا لا نسعىٰ لاختيار مستقبلنا الحقيقي؟ _ ثم ختم اللَّٰه هذه السورة بالسبب الأعظم الذي من خلاله كفروا وأنكروا يوم القيامة، وهو كيف سيحيي اللَّٰه الأموات؟ مع أن اللَّٰه قد ضرب لهم أمثلة إحياء الأرض بعد موتها. _ هنا أحد الكفار يضرب مثالاً لقومه ليسخر من يوم البعث، فأخذ العظم بيده وفتّه حتىٰ رَمّ فقال: من يستطيع أن يحيي العظام وقد رَمّت؟ ❃ قال تعالىٰ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس : 78] _ فجاءه الرد من الرسول الهادي بأن الذي يستطيع أن يعيده هو الذي خلق العظام في أول مرة، ومادام وأنه خلقه من نطفة، فبالتأكيد أنه يستطيع أن يعيد تركيب الرميم. ❃ قال تعالىٰ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس : 79] _ أنظروا كيف ألجمه بالحجة وبسرعة، ثم ذكر اللَّٰه لنا أليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر علىٰ أن يخلق مثلهن؟ لماذا ننكر خلق شيء وقد خلق اللَّٰه مثله وننكر إعادة اللَّٰه للشيء وهو الذي خلقه أول مرة، ألا يعلم هؤلاء القوم أن الذي خلق السماوات والأرض يستطيع أن يخلق مثلهم، وإذا كان يستطيع أن يخلق مثلهم إذاً هو يفعل ما يريد، فلا شيء يعجزه. ❃ قال تعالىٰ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ❒ ختاماً: يجب علينا أن نكثر من قراءة هذه السورة فهي من ستهدينا إلىٰ الحق، وبشرط أن نكون مستحضرين للأمر جيداً، ونُعايش الآيات، ونجعل أنفسنا من الذين تنزلت عليهم، وأننا المخاطبون، وإذا لم نفعل فإننا من الذين قال عنهم اللَّٰه: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس : 9] _ فيجب علىٰ الإنسان أن يتبصّر الأمر جيداً، ويأخذ الأمر بجدّية، لأنه كيف لشخص أن يتساهل بأمر هو ذاهب إليه حتماً كما ذهب من سبقه. ➖➖➖➖➖
