قال تعالى: ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.؟هذه الآية ليست كما يقول بعض العلماء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. فهذا القول غير صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى عندما يخاطبنا بلسان عربي مبين، فمعنى ذلك أن الأمر واضح ومفهوم لدى العرب. وأعتقد أن هذه الفتوى كانت عائقًا كبيرًا أمام تدبر الآية ومحاولة فهمها.فالاستواء هنا معناه تدبير الأمر والتمكين في التحكم بعمل المخلوقات ولذلك نلاحظ ان الله بعد ان يذكر الاستواء على العرش يذكر تدبير الامر او ما يشير الى التحكم بالمخلوقاتقال تعالى﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُۥ حَثِیثࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَ ٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦۤۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأعراف ٥٤]وقال تعالى﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِیعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس ٣]وقال تعالى﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۚ یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ یُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاۤءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد ٢]وقال تعالى﴿رَفِیعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ یُلۡقِی ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِیُنذِرَ یَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ﴾ [غافر ١٥]. فالأمر لله، وهو الذي يملك الخلق والأمر. فلا يكون الاستواء متعلقًا بالعرش إلا بعد أن يخلق الشيء؛ لأن الخلق بعد أن يُخلق، يكون في ملك الله وتحت سيطرته، لكن يبقى الأمر، لأن هذا الخلق لديه أعمال، ولديه وظائف، ولديه شغل.فإذا ملك الله سبحانه وتعالى هذا الأمر، واستطاع أن يدبره، وتم تنفيذه، واستجابت لأمره المخلوقات فعملت وفق ما يريد فيتنفَّذت دون صعوبات فقد استوى على هذا الشيء.فالله سبحانه وتعالى يربط الخلق كلهم بعرشه حتى يستطيع أن يسيطر على هذا الأمر، فلا يخرج عن سيطرته سبحانه وتعالى. ولو ضربنا مثالًا، وقلنا إن هناك رئيسًا لدولة ما يريد أن يصل إلى أمر ما متعلق بالجندي فإذا أُطيع له هذا الأمر ونُفِّذ، فمعناه أنه مستوٍ على عرشه.أما إذا كان رئيسًا للبلاد، وهو لا يستطيع أن يسيطر أو يتحكم في أي شيء، ولا يستطيع أن ينفذ أمره في مكان آخر، فهنا الحكم، حتى وإن كان في ملكه، لكنه ليس مستويًا على عرشه، بل الملك ما زال وهميًا.فالجندي يسيطر عليه القائد، والقائد تحت أمر وزير الدفاع، ووزير الدفاع تحت سيطرة رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء تحت سيطرة الرئيس. فإذا أراد الرئيس أمرًا ما من الجندي، فإنه لا يطلب منه مباشرة، بل يطلب من رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء يطلب من وزير الدفاع، ووزير الدفاع يطلب من القائد، والقائد يطلب من الجندي، فينفذ الجندي أمر الرئيس.وبهذا نعرف أن الرئيس مستوٍ على عرشه.ولله المثل الأعلى، في استواءه على عرشه، وإنما هذا المثال للتقريب.فعندما خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض والنجوم والكواكب، استوى على عرشها، فكانت في قبضته، تأتمر بأمره، وتنفذ ما دبره من أمر. فاستطاع أن يجعل القمر نورًا وحسابًا، وجعل الشمس سراجًا وحسابًا، وجعل الجبال أوتادًا. فكل أمر أراده منها تم تنفيذه بسهولة، لأنه استوى على أمرها وخلقها، ومثال ذلك: لو أن شخصًا ملك دابة من الدواب، ويريد أن يسافر عليها. فالدابة التي يستطيع أن يسوسها، ويركب عليها، ويضع عليها أثقاله، وتذهب به إلى المكان الذي يريد، هنا يكون قد استوى على ظهرها. أما إذا تمردت هذه الحيوانات، ولم يستطع أن يفعل بها شيئًا، ولم يستوِ على ظهورها، فلا يعتبر هنا استواء، وإن كان يملكها. فهناك فرق بين الخلق والأمر.نوضح أمثلة أخرى:قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28].فاستواء الفلك أو السفينة في الماء: في بداية الأمر أنزل الله الماء، وكان حول السفينة، وارتفعت السفينة. في بداية الأمر ولم ترسُ لان الماء لم يكن على مستوى رافع بحيث تتمكن السفينة من الرسو جيدا دون اصطدام ودون ان تؤثر عليها السيول من جهة محددة بعكس عندما تكون متموضعه في الماء دون عوائق هنا تؤدي عملها جيدا وهو الرسو والابحار ، فعندما ارتفع الماء، وأصبحت السفينة مستقرة، بحيث تستطيع أن تسير مع الماء دون أن تنقلب، هنا استوت.أما استواؤها على الجودي، فالسفينة لا يمكن أن تستقر على أي جبل، ولا يمكن أن تستقر عليه بسبب شكلها، ولا يمكن أن تستقر على المكان إلا إذا كان المكان مؤهلًا لأن يحدث فيه خرق، بحيث إن الجزء الأسفل منها ينزل كثيرًا في الأرض لكي يثبت. فتستقر، وتكون هنا قد استوت.أما الأماكن التي تكون صخرية قوية، ولا يمكن أن ترسو عليها، فلا تستوي فيها. فالجودي هو المكان الذي كانت فيه الأرض قابلة لأن تشكل مكانًا وتوسع للسفينة لكي تغور فيها، حتى تصل إلى مستوى يمكنها أن تثبت عليه، فلا تحركها الأمواج أو المياه المتلاطمة.هذا هو معنى الاستواء.فما هو العرش؟العرش هو شيء يرتبط بكل ما دونه، بحيث إن من يملك العرش يستطيع أن يصل إلى أي شيء مرتبط به دون أن يذهب إلى ذلك الشيء بنفسه، وإنما عن طريق العرش. فالعرش مرتبط بما دونه، والذي أسفل منه مرتبط بالذي أسفل منه، إلى أن يصل الارتباط إلى كل جزء في الكون.فالله سبحانه وتعالى ليس شرطًا أن يأتي إلى الأرض لكي يفعل الشيء الذي يريده، بل يأمر وهو فوق، فهذا معناه أنه استطاع أن يربط كل شيء بعرشه. فالعرش شيء يتشابك ويرتبط بكل اوامر متعلقة بالخلق او الملك الذي تحت سيطرته . فالأشياء المتشابكة التي يستطيع أن يصل من خلالها بعضها إلى البعض الاخر بكل سهولة تسمى العرش.فإذا أراد الله أمرًا ما، فإنه من على عرشه يطلب الأمر، فيحمل ذلك الأمر الملائكة لينفذوه. فنلاحظ أن من يخلق الجنين، وينفخ الأرواح، ويقبضها، هم الملائكة بأمر من الله. فمن خلال العرش يعلم الله بكل شيء، فلا يخفى عليه أي أمر، ولا يصعب عليه أي شيء.والله اعلم