بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وسلّم، وبعد.. _ بعض المفسرين من أجل شبهة واحدة يقوم بتحريف الآيات، ويصنع شيئا جديداً، فبسبب قوله تعالىٰ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام : 61] _ بسبب ذكر التوفية هنا، وعدم فهمه لها، أخطأ بتفسير (الرقيب العتيد)، فأعتقد بأن الملك الذي علىٰ اليمين هو رقيب والذي علىٰ الشمال هو عتيد، وهذه جريمة بحق القرآن واللغة، وأيضاً ينكر أن هناك ملكاً للموت من غير رقيب وعتيد، وأن ملك الموت الموكل للكافر غير ملك الموت الموكل للمؤمن، وهذا غلط، لأنه لو إعتمدنا هذا التفسير أو الرأي لكان لزاماً علينا أن نعتقد بأن الملك الذي علىٰ اليمين يراقب أعمالنا مراقبة فقط دون تسجيل (عد)، لأن صفته رقيباً وليس عتيداً. _ أيضاً لكان لزاماً علينا أن نعتقد بأن كاتب السيئات الذي علىٰ شمال الإنسان مُسجلاً (عتيداً) فقط وليس مراقباً، لأنه عتيد وليس رقيب، وهذا مخالفاً للقرآن لعدة أمور. ❒ أولاً/ أن اللَّٰه سبحانه وتعالىٰ وضح لنا أن كل قول يقوله الإنسان سواء في الخير أو الشر فإن لدىٰ هذا القول من يراقبه ويعده {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، فالملك الذي علىٰ يمين الإنسان يعتبر رقيباً وعتيداً للحسنات، والملك الذي علىٰ شمال الإنسان يعتبر رقيباً وعتيداً للسيئات، فكلا الملكين يراقب ويعد. ❒ ثانياً/ أن اللَّٰه لم يفصل بين (رقيب عتيد) بحرف الواو (رقيب وووو عتيد)، بل قال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، ومثله قوله تعالىٰ عن رسول اللَّٰه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة : 128] _ فصفتا (رؤوف رحيم) هي صفتان لمحمد فقط وليستا لنبيين، ومثله: {عزيز حكيم}، {حكيم عليم} و… الخ، وهذا يدل علىٰ أن (رقيب عتيد) صفتان لكلا الملكين. ❒ ثالثاً/ اللَّٰه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، ويجب أن نفسر معاني هاتين الصفتين اللاتي تعبران عن وظيفتي وعمل الملكين. _ فالرقيب هو من يراقب والعتيد هو من يعد، والأمر المنطقي هو أن كلا الملكين يراقبان ويعدان، فلازم يكون الملك الذي علىٰ اليمين (رقيب عتيد) بالنسبة لأعمال الخير، والملك الذي علىٰ الشمال (رقيب عتيد) بالنسبة لأعمال الشر. ❒ رابعاً/ لماذا جعل اللَّٰه صفة (المراقبة قبل العد) فقال (رقيب عتيد)، وذلك لأن الملك قبل أن يسجل القول يجب أن يكون قد راقب الموقف الذي قيل فيه حتىٰ ينقل الأمر علىٰ حقيقته الفعلية، وبعد أن يراقبه ويعرف أن هذا القول قيل لشر وإن كان لفظه حسن فيسجله مع السيئات، وذلك نتيجة المراقبة الحقيقية التي يدركون بها حقيقة ما في الأنفس، وسنوضح كيف أن الملكين يستطيعان معرفة ما في الأنفس في آخر البيان. _ هناك شبهة يقع فيها بعض طلبة العلم وهي أن اللَّٰه ذكر أن القرين يوم القيامة يقول هذا مالدي عتيد ولم يذكر المراقبة، قال تعالىٰ: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق : 23] صدق الله العظيم. _ لعلنا وضحنا سابقاً بأن الملك يراقب قبل أن يسجل، حتىٰ يسجل عن علم، فلا يكتب شيء حتىٰ يتيقن بأنه فِعلٌ حسن أو فِعلٌ سيء من خلال المراقبة، لأن السماع وحده لايكفي. _ سأضرب مثال بسيط لفهم الأمر وأنه لاتناقض، لو أن أستاذاً قام بتوكيل أحد الطلاب لمراقبة الطلبة في الصف وتسجيل أسماء المشاغبين، فيبدأ الطالب بالمراقبة ويبدأ يسجل من الذي يشاغب بأفعاله ومن الذي يشاغب بأقواله، فيسجل كل شيء معتمداً علىٰ عينيه التي يراقب بهما وأذنيه اللتان يسمع بهما، ثم في نهاية الحصة، يحضر للأستاذ ما قام بتسجيله فيقول له: هذا ما لدي عتيد، أي معتد ومسجل. _ وقوله هذا ما لدي عتيد لاينفي أنه تم التسجيل بواسطة المراقبة، حيث يقيم ويثبت الحجة أكثر من مجرد السماع، فكلما رآه وسمعه قام بتسجيله ليصبح كل شيء معتداً عداً. فكذلك الملك احظر ما سجله وعده ( بواسطة المراقبة). _ هل الملكان يعلمان بما توسوس به نفس الإنسان، قال تعالىٰ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق : 16] _ أنظروا إلىٰ ««نا»» الفاعلين (خلقنا _ نعلم _ نحن)، (خلقنا) يعني اللَّٰه وجنوده، فالذي يخلق الإنسان هم الملائكة بأمر من اللَّٰه سبحانه وتعالىٰ، أو بكلماته، (نعلم) يعني اللَّٰه وجنوده، (نحن) يعني اللَّٰه وجنوده والملائكة تستطيع تسيطر علىٰ الأنفس وتتوفاها، قال تعالىٰ: {…… ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام : 93] _ إذاً لهم ملكية علىٰ الأنفس فيعلمون ما توسوس به نفس الإنسان، فأي كلمة فيها ضمير ««نا»» الفاعلين ونسبت إلىٰ اللَّٰه فإنه يدخل فيها ملائكته أو جنوده ولو بشيء بسيط، وحتىٰ لايستغرب أحداً كيف للملائكة أن تعلم مافي الأنفس، نقول له: هل تعلم أين الملائكة هل تحس بهم هل تستطيع أن تجدهم؟ مع أنهم عن اليمين والشمال و إذا كان أمرهم مخفي فلماذا تستغرب من أن يعرفوا أمر النفس التي لا نراها بينما هم يرونها {…. اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون…}. _ أيضاً الملائكة هم من ينفخون الروح فينا ويكتبون أرزاقنا وآجالنا فهل بعد هذا نستغرب من قدرتهم علىٰ قراءة مافي النفس؟! هذا حديث يبين أن الملائكة تقوم بالخلق، فعن رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وسلّم وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا – نطفة – ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيدٌ..)). _ أيضاً في عصرنا هذا تم صناعة جهاز يقرأ ما تريد أن تقوله، فقد تم صناعة جهاز كمبيوتر للعالم الفيزيائي/ استيفن هوكينج فقام الباحثون بتجربة أيضاً تقنية جديدة للولوج إلىٰ عقل هوكينغ واستخلاص الإشارات والموجات منه وتسخيرها مما تمكن هوكينغ من إعطاء الأوامر للحاسب مباشرة بعقله، وهذا عمل من إنسان ضعيف، ولازال التطور أكثر فأكثر فما بالنا بقدرة اللَّٰه سبحانه وتعالىٰ في إعداد ملكين يعلمان بما يخطر في نفس الإنسان، قال تعالىٰ: {…… وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} صدق اللَّٰه العظيم. _ هنا شبة أخرىٰ يظن البعض أن الملكين هما من يقومان بقبض الأرواح ويستدلون بهذه الآية طبعاً جنود اللَّٰه كثير ولا يعلم بعدد ملائكة الرحمن إلّا هو، وجعل منهم ملائكة يقومون بحفظ الأعمال وجعل ملائكة آخرون بتوفية الآجال والبعض بتقدير الخلق والأرزاق، ……الخ. _ فالآية السابقة تتحدث عن الحفظة الذين يحفظون أعمالنا ويستمروا في كتابتها وتسجيلها، حتىٰ إذا جاء أحدنا الموت توفته رسلنا. _ فاللَّٰه لم يقل حتىٰ إذا جاء أحدكم الموت توفاه رسولنا، بل التوفيه هنا من الرسل، وهذا يدل على أن الرسولين هم من يتوفىٰ الإنسان وليس رسول واحد منهما فقط مما يدل علىٰ أن التوفية هي توفية الأعمال وليس الآجال، فالملائكة الحفظة يوفوننا أعمالنا دون زيادة أو نقصان وهم لا يفرطون بها، وحتىٰ لا يظن ظان أنه لا يوجد توفية للأعمال أو للآجال نأتي بدليلين، قال تعالىٰ عن توفية الأعمال: {وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود : 111] _ وأما عن توفية الأجور فقال تعالىٰ: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران : 57] _ وأما بالنسبة لتوفية الآجال فإن هناك ملك خصص ووكل لهذا الأمر وأعطاه اللَّٰه الموت يذيق به من وصل أجله، قال تعالىٰ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة : 11]، ولديه مساعدين من الملائكة يهيئون له الأمر، فيأتي لنزع الأنفس والأرواح، وقد هيأه اللَّٰه لذلك وأعطاها جسماً يليق بعمله، فلا نعلم كم لديه أجنحة وكم حجمه وكم سرعته.