بسم اللَّٰه الرحمــٰـن الرحيم ❃ قال اللَّٰه تعالىٰ: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون : 1-7] ❒ هذه السورة ستعالج موضوعاً إجتماعياً يُفيد البشرية، ولو أن الناس عملوا بها لما صار هناك يتيماً ولا مسكيناً. ✦ هذه السورة أحاطت بموضوع (التكافل الإجتماعي)، وعملت علىٰ معالجته، فلم تدع أمراً أساسياً يعمل علىٰ معالجة الأمر إلّا وبينته. ✦ هذه السورة هي سورة التكافل الإجتماعي، قال تعالىٰ: {أرأيت الذي يكذب بالدين}، أي أتعلمون من الذي يكذب وينكر الإدانة؟ اتعلمون من الذي يكذب بان الأمور والأحوال تتغير وتتبدل. إنهم الذين يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين.. فالأمور تتغير فكم من شخص إنقلبت عليه الأمور في الدنيا قبل الآخرة. _ فتنقلب عليه من نعمة إلىٰ نقمة، أو من نقمة إلىٰ نعمة، فمثلاً: أصحاب الجنة المذكورين في سورة (النعمة ««ن»»)، عندما قاموا بعمل إجرامي بحق الفقراء والمساكين، {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}، عندما أحرموا المساكين من حقوقهم، قال تعالىٰ: {فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} [القلم : 23-24]، أحرق اللَّٰه جنتهم، فأصبح حالهم كحال الفقراء الذين أرادوا منعهم من حقوقهم. _ فكانوا يظنون أنهم علىٰ شيء وأن الساعة لن تقوم وأن النعمة لن تنزع منهم وأنهم لن يصيبهم الفقر أبداً. _ فكانوا يكذبون بالدين، وأن هناك تقلبات للأمور، فكما تدين تدان والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحداً. ❒ إذاً فالتكذيب بالدين هو السبب الرئيسي في جعل المكذب يدعّ اليتيم ولا يحض علىٰ طعام المسكين، لأنه لو كان مؤمن بالدين وأن الأمور تتغير وتنقلب من حال إلىٰ حال، لما تجرأ علىٰ منع المساكين ولما ترك اليتامىٰ بدون كفالة، ولما توانىٰ عن مساعدتهم، حتىٰ لاتنقلب عليه الأمور فيصبح يتيماً ومسكيناً. ✦ إذاً لاتسخر من أحد ولا تسخر من مريض ولا تترك اليتيم ولا تتساهىٰ وتتغافل عن اليتيم ولا تسخر من جاهل، و….الخ، فقد تصبح حالك في يوم من الأيام مثل حاله. ❃ قال رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وسلّم: [[لا تُظهر الشماتة بأخيك فيعافيه اللَّٰه ويبتليك]]، وهذا من الأحاديث الموافقة للقرآن،. قال تعالىٰ: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}. ❒ من هو اليتيم؟ اليتيم: هو من لا يجد من يؤيه، فقد يكون غنياً لكنه يتيماً لايجد من يقوم بخدمته ومساعدته، وهذا يحدث للأطفال وللشيوخ العجزة، وأيضاً لمن أقعدهم المرض فلم يستطع القيام بٱحتياجاته، بالرغم من وجود المال، فهنا يسمىٰ يتيماً. _ فمن ترك الأيتام ولم يبالي بالإهتمام بهم فقد يجعله اللَّٰه يتيماً من المعيل في يوم من الأيام، فيصيبه مرض لايستطيع أن يقوم بما يحتاجه من مأكل ومشرب وتنظيف، أو يُعمّره ثم ينكّسه في الخلق فيحرمه إعالة أبنائه له. ✦ لذلك يبقىٰ المؤمن الفطن حذراً من أن تنقلب الموازين والأحوال فتتبدل، فعندها لاينفع الندم. _ ومن وجد طفلاً بدون أبٍ و أم، فقام بكفالته فقد أنقذه من اليتم. ✦ في الحقيقة، كل إنسان يعتبر يتيماً ومسكيناً، فالطفل لولا أن اللَّٰه أبقىٰ له والديه لصار يتيماً، وهذا فضل من اللَّٰه وليس بقوة الطفل، فكما أن اللَّٰه مَنَّ عليك أيها الإنسان بذلك عند طفولتك وأبقىٰ لك من يكفلك، فحريٌ بك أن لا تبخل بكفالتك ورعايتك علىٰ أطفال الشهداء وأطفال أبناء السبيل وكل من فقدوا معيلهم. ✦ ولا تظن نفسك أنك قد أصبحت بعيداً من اليتم وأن هذا الأمر لن يتكرر بالنسبة لك، فقد تصبح يتيماً في أقرب وقت، كما وضحنا سابقاً. ❃ قال تعالىٰ: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}، فلدينا ثلاث كلمات مهمة جداً، وهي/ ❒ الحَضّ: هو الحثّ، إلّا أنه بقوة وبإستمرار. ❒ طعام: هذه كلمة مهمة جداً، فالطعام ليس شرطاً أن يكون الأكل، فالأكل جزء من الطعام، فالطعام: هو كلما يوصل المسكين إلىٰ حالته الطبيعية، فالأمر الذي ينقل الإنسان من المرض إلىٰ العافية، من الجوع إلىٰ الشبع، من الضمأ إلىٰ الإرتواء، من الضعف إلىٰ القوة، من الجهل إلىٰ العلم، كل ذلك يعتبر طعاماً له. ❒ المسكين: هو من سكن وتمسكن فصار لا يقدر علىٰ الحركة بنشاط مثل غيره، فيشعر بأنه غير المجتمع وأنه عاجز وهين وضعيف، وكل أمر ما يعمل علىٰ مسكنة الإنسان يجب أن نسعىٰ لإطعامه فنوصله إلىٰ مرحلته الطبيعية ليعيش مثل غيره من أبناء المجتمع، فمن أرهقته الديون فيجب أن نسعىٰ لإطعامه، والإطعام هو إيصاله للحالة الطبيعية فنقوم بسداد ديونه حتىٰ يصبح إنساناً نشطاً، ولا يوجد شيء يقعده ويجعله مستكيناً. _ فمن أصابه مرض، هذا المرض سيجعله يخسر ماله كله، هذا يجب إطعامه وإيصاله للمرحلة الطبيعية، حتىٰ لا يصير مسكيناً في المجتمع، فيشعر بأنه غير قادر علىٰ إطعام نفسه، فيكون شخصاً خاملاً وساكناً في المجتمع. ■ ملحوظة: قد يكون الشخص مسكيناً في مجتمعاً ما، وغنياً في مجتمع آخر، فعندما يجد نفسه بين قوم أغنياء فيهم من الترف ما فيهم وهو لايملك غير مقومات الحياة البسيطة، هنا يكون في حالة سكون وتمسكن، ويشعر بنفسه أنه منبوذ وأنه أقل منهم شأناً وقدراً. _ هنا يجب إيصاله إلىٰ المرحلة التي يكون فيها شبيهاً لهم، والإيصال يكون من المجتمع نفسه، بينما لو ذهب هذا الشخص إلىٰ مجتمع آخر مثل بعض بلدان إفريقيا الفقيرة مثلاً، لوجد نفسه خير منهم، فعندها سيجد نفسه عزيزاً ويشعر بالتفاخر وأنه أفضل منهم، عندها لا يعتبر مسكيناً في ذلك المجتمع، بل إنه من المُصلّين. _ فالأمر مرتبط بالمجتمع نفسه، إذاً أي مجتمع يرىٰ شخصاً ما بدأت حالته تسكن، وبدأ يفقد النشاط بسبب الجوع أو المرض أو الجاه، هنا يجب علىٰ أفراد هذا المجتمع أن يطعموه ويعيدوه ويوصلوه إلىٰ مرحلته السابقة الطبيعية، بحيث لايصير هناك مسكيناً في المجتمع، أبداً ولا يتيماً. ✦ ومن لم يقم بإيصال اليتامىٰ والمساكين فإنه سيأتي يوماً وإذا به يتمسكن أو يتيتم. ❃ قال تعالىٰ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. ❒ المُصلّين: هم عكس المساكين، فالمصلين هم الأغنياء والنشطين في المجتمع، الذين يستطيعون أن يصلوا اليتامىٰ بدلاً من والديهم، وأن يوصلوا المساكين إلىٰ حالتهم الطبيعية، فينقذون اليتيم من يتمه، والمسكين من مسكنته، فيكفلون اليتيم، ويطعمون المسكين، فلا نجد عندئذٍ مسكيناً ولا يتيماً. ✦ إن المصلين الذين في المجتمع القادرين علىٰ منع اليتم والتمسكن في المجتمع، إذا سهوا وتغافلوا عن جيرانهم وأصبح هناك يتيماً أو مسكيناً، ولو ليوم واحد فإنهم مسئولين عن ذلك. ❃ قال رسول اللَّٰه صلَّىٰ اللَّٰه عليه وسلّم: [[ما ءامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وَجارُهُ جائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِه]]، لأنه قادر علىٰ إطعامه وإيصاله إلىٰ الحالة الطبيعية من الشبع، بينما هو يتغافل عنه ولا يسأل عنه، وهذا غلط كبير جداً، لأنه بسبب التساهي والتغافل أصبح في المجتمع أناس مساكين. ❃ قال تعالىٰ: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ}، سبحان اللَّٰه العظيم، ما أعظمك يا إلهي، كم أنت رحيم بعبادك الضعفاء، لو أن اللَّٰه لم يذكر هذه الآية لأصبح هناك مساكين بالرغم من إطعامهم، لأن الصدقات إذا كانت رياء أمام الناس فهذا قد يعتبر ذل ومهانة لمن تتصدق عليهم، فيشعرون بالخجل والحياء من الناس الذين يرونك عندما تطعمهم وتتصدق عليهم. ✦ فعندها تبقىٰ المسكنة والذل فيهم، لأنك إذا تصدقت عليهم خفية وسراً، سيكونون مساكين أمامك فقط لكنهم يتظاهرون بالنشاط والعز أمام أبناء المجتمع. ❃ قال تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة : 264] ❃ وقال تعالىٰ: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء : 38] _ فالإنفاق من أجل المراءاة يعتبر حراماً، لأنه يصنع التمسكن ولا ينهيه، بينما اللَّٰه يريد رفع التمسكن وإنهاءه بالإطعام والصدقات، لا أن نصنعه بصدقاتنا. ❃ قال تعالىٰ: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}. ❒ اللَّٰه اللَّٰه ما أجمل آيات اللَّٰه، وما أجمل وأعظم إحاطته ومعالجته لليتم والمسكنة، هذه الآية سترفع الحرج والحياء عن المساكين خاصة وعن أبناء المجتمع عامة. _ فعندما يجد المسكين أن الرجل الغني الفلاني ذهب إلىٰ بيت جاره فطلب منه أن يعطيه أي شيء يعينه علىٰ شيء ما ثم يعيده، عندها ينكسر حاجز الخوف والخجل عند المسكين، فإذا إحتاج شيء ما مثل آلات الحراثة، أو سُلفة من طعام أو نقود أو آلات الطبخ أو…الخ، لن يتوانىٰ عن الذهاب إلىٰ جاره ليطلب منه ذلك، لأن الأمر ليس فيه إحراج، فقد ذهب الغني أيضاً، وهذا شيء يفعله كل أبناء المجتمع عندما يحتاجون شيئاً ما. _ فلا يشعر حينئذٍ بالإحراج حتىٰ وإن رءآه بعض أبناء المجتمع لن يحدث له إحراج، لأن الأمر أصبح أمراً عادياً. ✦ أيضاً من فوائد هذه الآية أنها تنقذ أبناء المجتمع من التمسكن في الحالات الطارئة، فبمجرد أن تحتاج شيئاً ما لإيصال عملك أو نفسك أو مهمتك إلىٰ القمة أو إلىٰ الحالة الطبيعية، فيمكن أن تقترض (تستلف) من جارك أو تستعين بشيء ما منه ثم تعيده له، وهذا الأمر يفيد المجتمع وينقذهم من الإسراف، فقد تحتاج أحياناً أن تُصلِح شيئاً ما، فبدلاً من الذهاب وشراء الآلة التي ستصلح بها هذا الشيء، بسعر غالي لمجرد أنك تريد أن تستخدم هذه الآلة لبعض الوقت، فبدلاً من ذلك بإمكانك أن تطلبها من جارك وتقضي حاجتك بها وتعيدها لجارك، فلا جارك خسر شيئاً، وأنت إستفدت وكُفيت شر خسارة المال وضياع الوقت. ➖➖➖➖➖
