تعريف الكتاب مشتق من “كتب”، وهو أي أمر يتم فيه تثبيت وجمع وحزم لأمر آخر فيثبته ويجمعه فيمنع التلاعب أو التساهل أو الجدال أو التغيير، ليتم فيه حسم الأمر جيدًا.نضرب أمثلة: في الدين والتسليف والبيع والشراء والوصية يتم كتابة كتاب، فلو أراد أحد الأطراف أن ينكر أو يدعي ما ليس له، أو يختلف الملاك على أرض ما سواء في ذلك الوقت أو في غيره، ولو بعد مئات السنين، فلن يحسم الأمر إلا الكتاب (البصيرة)، لأنه فيه الكاتب والتاريخ والحدود والشهود وغيره. أما الشهادة فقد ينكرها البعض وقد ينسى الشاهد، لكن الكتاب لا يتغير مهما طال الزمن، فالكتاب لا أحد ينكره. إذا، فالذي يحسم الأمر من التشاجر والاختلاف والذي يحدد القيمة أو الحدود هو الكتاب. فالكتاب لم يسمى كتابًا لأنه مكتوب فيه، بل لأنه كتب الأمر، أي حزمه وجمعه ومنعه من التلاعب والتغيير. وأما الكتابة فسميت كتابة لأن المداد التصق بالورقة بحزم وتثبيت، والتصق بالورقة نفسها، فدخل في أصل الورقة، وبسبب جمع الحروف بارتباط بعضها ببعض وعدم ترك مجال لوضع حرف في مكان بين الكلمات فيغير المعنى، فلا يترك مجالًا إلا بمقدار حرف واحد، فما يستطيع أحد أن يمسح أو يغير من نظام الكتابة، وهي كالخرزة (المسبحة)، مكتوبة بسير فلا تتناثر، ولا يستطيع أحد أن يضع خرزة أخرى بين الخرز أو يبعد خرزة من المسبحة، لكونها مكتوبة بسير. هذا معنى الكتابة.تقول العرب: “اكتتبت فم السقاء”، إذا منع من تسرب الماء من القربة. أما إذا ربط فم السقاء وتسرب الماء فتقول العرب: “لم يكتتب فم السقاء”، أي أنه لا زال هناك ثغرة ولم يُحسم الأمر بعد. أي أمر ما انحسم وتعالج، فانه قد اكتتب.سنضرب أمثلة: هل يستطيع الإنسان بشكل عام أن يعيش دون قتال؟ طبعا مستحيل، لأن هناك من الأشرار من سيدفعه إلى ذلك، ولأن القتال هو من سيوقف الشر. إذا فالقتال كتاب، وقد كتب علينا لكي تسير أمورنا على ما يرام، وإلا فسنبقى في فوضى عارمة. إذا فالقتال ضرورة لوقف المعتدين، فهو في هذه الحالة كتاب.كذلك الصيام، فقد كتبه الله علينا، لأن الجسم فيه مشاكل لا تتعالج إلا عن طريق الصيام، ولأن ذلك الأمر مهم فقط كتب الله علينا الصيام لكي يحسم ويتعالج ذلك الأمر.كذلك الصلاة، فهي لازمة للإنسان من صلة بينه وبين ربه والمجتمع والوالدين والجيران، ولأنها ضرورية، وإذا لم تحدث فسيختل النظام المعيشي والمجتمعي. فقد فرض الله الصلاة لكي تحل ذلك الأمر، فسميت كتابًا لأنها تحسم وتحزم وتحل وتعالج أشياء بكل كمال وتمام.في سورة البقرة قال تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، فقوله “ذلك الكتاب” يبين لنا قوة الطرح في السورة، وأن كل ما سيذكر في سورة البقرة كان كتابًا حاسمًا، مانعًا للشك والفوضى، ويحل القضايا ويعالجها بحيث لا يصير بعدها لا شك ولا ريب، مثل إثبات الله للملائكة بأن آدم أفضل وجدير بإقامة الخلافة. وكان الكتاب هو أن آدم يستطيع أن يتنبأ بكل الأسماء المتعلقة بالخلافة ومكان الخلافة وما يتعلق بالأرض التي سيكون خليفة فيها، أو بالأصح الأسماء التي تثبت أنه يصلح لأن يكون خليفة الله في الأرض، لأن الأمر هل يصلح أن يكون آدم خليفة في الأرض فأثبت أن آدم في الأرض يصلح لكونه يعلم أسماء الأشياء الموجودة فيها، أي أنه يستطيع أن يتعامل مع الأشياء جيدًا. فهو لم يخبرهم بأن آدم يعلم أسماء الأشياء، بل جعل آدم يخبرهم بنفسه ليقتنعوا أكثر.أيضًا إحياء البقرة للمقتول فنطق بالقاتل فحسم الأمر جيدًا، فلا يستطيع القاتل أن ينكر كلام المقتول، فقد ينكر كلام النبي ويحاول الجحد، لكن أن يقوم المقتول ويقول هذا هو الذي قتلني فهذا يعتبر كتابًا، لأنه حسم الأمر بحيث لا يصير بعده شك ولا ريب.كذلك الذي مر على القرية أثبت له القدرة على الإحياء بموته هو مع حماره وإحيائه، حتى قال بعدها: أعلم أن الله على كل شيء قدير. وكذلك إبراهيم والطير، أثبت لإبراهيم كيف يحيي الله الأموات وكيف أن الله يجمع الرفات والأرواح، فقام بعملية تصيير الطيور إليه وتربيتها بنفسه، وجعل كل أمرها مرتبطًا به، مع أن إبراهيم يعلم أن الله يحيي الموتى من خلال ما يشاهده في الأرض من إحياء الزرع وغيره، لكن الله أثبت له طريقة استجابة الأموات لله، وهي نفس طريقة إعادة الطيور واستجابتها لإبراهيم الذي صير أمرها إليه.وكذلك قصة طالوت وبني إسرائيل حول اتخاذهم لطالوت ملكًا، فلم يحسم الأمر بقول النبي لهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكًا، بل الأمر الذي حسم الأمر هو التابوت الذي فيه بقايا مما ترك آل موسى وهارون، بحيث جعلهم يستسلموا ويقبلوا بأن يكون طالوت ملكًا، فقط حصل على جميع المؤهلات والآيات، حتى صار الأمر عندهم التسليم بالقلب والجسم، بحيث لم يعد لديهم أي شك أو ريب أنه يمكن أن يكون ملكًا عليهم، وأنه يرث الملك من آل إبراهيم، وليس شرطًا أن يكون الملك من الطائفة الفلانية.وكذلك إلقاء الحجة على بني إسرائيل من كتبهم ومن تعاملهم على مر العصور، وكذلك إلقاء الحجة على النمرود الذي ادعى الربوبية بأن تحداه أن يأتي بالشمس من المغرب، فبهت، لأن هذه الحجة ليس فيها مغالطة، مثل إحياء الموتى الذي تحداه إبراهيم بأن يحيي الموتى. فقام النمرود بالإعفاء عن أحد المساجين المحكوم عليهم بالإعدام، وقتل الآخر، فحسم الأمر بقضية كبرى وهي الشمس.مما سبق نفهم معنى الكتاب، ففيه قوة الإقناع والحسم والحزم، وهذا قوله تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه).كذلك ذكر الكتاب في سورة النمل، قال تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين)، فنلاحظ كلام النملة للنمل وسماع سليمان لها وحسمها للأمر.كذلك الهدهد، كان مهددًا بالقتل والسجن، فأخرج من هذه العقوبة بمجيئه بأمر مهم جدًا بالنسبة لما يتعلق بمسؤولية سليمان، وأن هناك ملكة لها عرش عظيم. وهذا أمر يجعل سليمان يفكر فيه، لأنه ملك وكان يظن أنه الملك الوحيد، فهذه منافسة في الملك، وأيضًا وجود قوم يعبدون غير الله. فالهدهد كان يجب أن يذكر عذرًا لسبب غيابه، إما مرض أو أن الريح أخذه إلى مكان بعيد، المهم يأتي بسبب مقنع. فالهدهد لم يأتي بسبب، لكنه أتى بغير ذلك، أتى بخبر مهم وليس بسبب، لأن الهدهد تخلف عن عرض معسكر سليمان فلم يحضر معهم وذهب يسير في الأرض يتجول، وهو في هذه الحالة على خطأ لأنه لم يستأذن، لكن الله وفقه بأن اطلع على قوم سبأ، فرجع بأمر جعل سليمان يغفل عن سؤال الهدهد عن ما الذي جعله يتجرأ على الغياب وليس ما الذي أخره.إذا، الأمر قوي فهو يناسب سليمان من جانبين: الجانب الأول أن القوم ليسوا على دينه بل إنهم يعبدون غير الله، وهذا أمر قوي بالنسبة لسليمان كونه نبي، فلو كان غير نبي يمكن أن يتساهل، وأيضًا الملك فهناك ملك غيره، وهذه تحدث غيرة لسليمان.أيضًا من المواضيع التي تدل على ذكر الكتاب: مجيء العرش بنفسه وليس صورة فقط أو شبيه، وأيضًا تكلم الدابة للناس في آخر الزمان، وليس فقط تحفظ كلامهم لتشهد عليهم يوم القيامة، بل تكلمهم في ذلك الوقت فتؤثر فيهم مباشرة. وليس ذلك في سورة يس التي ذكر فيها كتابة ما قدموا وآثارهم، فقراها لهم ولم يكتبها لهم، فيثبت لهم أن ما قدموا وآثارهم لازم، فيقنعهم مباشرة بتطبيق ذلك.أيضًا عمل الصرح يكشف للملكة أنه ليس شرطًا أن نعبد من نراه، وأن كل شيء لا يُرى ليس موجودًا وليس له تأثير، وهذا غير صحيح. فعمل لها صرحًا ممرد من قوارير وتحته ماء، فالملكة لم ترَ الزجاج، فكشفت عن ساقيها على أنها ستضع قدمها على الماء، فتفاجأت بأن هناك أمر آخر منعها من لمس الماء وهو الزجاج الذي لم تراه، فعلمت أن هناك أمورًا لا تُرى لها تأثير واقع، فكما أن الزجاج الذي لا تراه منعها من لمس الماء، إذا فان الله الذي لم تُرَ له تأثير، وهو الذي يسير الشمس، فعندئذ آمنت بالله.إذا، هناك أمر كتب الأمر وحسمه وأبطل القاعدة التي كانت في عقلها بأمر محسوس وملموس. وهذا قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين). لو كانت الآية: (طس تلك آيات الكتاب والقرآن مبين) لتغير الطرح تمامًا كما في سورة الحجر، والله المستعان.