إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾.في الحقيقة، هذه القصة يجب أن نقرأها قراءةً من بدايتها. أصل القصة هو قوله تعالى:﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.ما معنى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾؟ هذا كله سنوضّحه.القصة تبين إن هناك شخصين أحدهما لديه حرث والآخر لديه أغنام فقط. الذي لديه الحرث مالٌ كثير، والذي لديه الأغنام فقير. فنفشت الأغنام في الحرث ، فأكلت منه في أماكن متعدّدة. عندما ذهب صاحب الحرث يشتكي إلى نبيّ الله داود، نظر داود إلى الحرث فوجد أن ما تمّ أكله يساوي الغنيمات ، فحكم بالأغنام لصاحب الحرث.الآن أصبح صاحب الأغنام بلا مصدر رزق، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يعلّم داود الحكم، لانها لازال في بداية ملكه وحكمه فأرسل له مَلَكَين على أنّهما خصمان. فلما دخلا عليه المحراب فزع منهما، فقالا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق ولا تُشْطِط، واهدِنا إلى سواء الصراط.﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾.بعد ان كلّموه أن أحدهما بغى على الآخر. قال الباغي: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، يعني الآن أصبحت لديه تسعٌ وتسعون؛ لأنه كان في الحقيقة مئة. الآن البغي الذي وقع عليه افسد عليه من ماله بنسبة واحدة بالمئة. قال: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، يعني أنا ليس لي مصدر رزق إلا واحدة، أي مقدار واحد بالمئة مما لديه، وهذه هي التي ظلمني فيها. اي ان بغيي عليه تساوي كلما املك.: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، ولم يقل: ملّكنيها، قال: أكفلنيها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾.قال: إن المعتدى عليه صاحب التسع والتسعين نعجة، طلب منه ، أن يجعل هذه النعجة في كفالته، و﴿عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾.فقال داود: : ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾.ثم اختفيا عندها ضل داود مهموم ومحتار مما حدث فلم يفهم ما الذي يحدث ، و لم يعرف سبب هذا الأمر، حتى جاء نبيّ الله سليمان فسأله. ا. فأخبره بالقصة، فقال له: إن ملكين أتيا إليه، ، ثم اختفيا فجأة، وكانت القصة كذا وكذا.فقال له سليمان: . هل حكمت بين شخصين في هذه الأيام؟ قال: نعم، حكمت بين صاحب مزرعة وصاحب أغنام. واخبره كيف حكم بينهما فقال له سليمان: هذان الملكان جاءا ليشهداك بالحكم، وجاءا ليعلّماك كيف تحكم بين الناس. أنت أخطأت عندما أعطيت الأغنام لصاحب الحرث، وكان الصواب أن تجعلها في كفالة صاحب الحرث حتى يقوم صاحب الأغنام بإصلاح ما أفسدته الأغنام، ثم تُعاد إليه الأغنام. فعندما تأخذ الأغنام وتعطيها ملكًا لصاحب الحرث؟ تكون بذلك قد صنعت ضررًا بصاحب الأغنام، واحرمتَه مصدر رزقه.فقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، فأُعيد الحكم، وحُكم بكفالة أن صاحب المزرعة يكفل الأغنام، ويجعلها في كفالته، وينتفع بها حتى يتم إصلاح الحرث، وهذا معنى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. اي اشهدناهما الحكم وكان سليمان هو الذي فهم الحكم وقاس عليه فحكم لصاحب الحرث كما هو الحكم لصاحب التسعة والتسعين نعجة.. والله اعلم